إِذ تَبَرَّأَ الَّذينَ اتُّبِعوا مِنَ الَّذينَ اتَّبَعوا

ليس من المستغرب في كل عصر أن يظهر المستكبرون الفاسدون وأن يتمادوا في طغيانهِم. لكن نجاح هؤلاء في مساعيهم يتوقّف على وجود من ينصرهم في الباطل، سواء بعلم أو بغير علم. ولذلك حذر الله عز وجلّ الجماهير التي يستهدفها أئمة الضلال بشتى الوسائل حرصًا عليهم من السقوط فريسة لهم.

فتارة يتبع القرآن أسلوب الأمر والنهي المباشر عن موالاة الظالمين، فيقول: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " (هود: 13)، وتارة يقص قصص النُّخَب التي كانت تخدم أو تنتمي إليه المستَكبر ولكنّها عندما رأت الحقائق أذعنت إلى الحق مثل سحرة فرعون.

ولعلّ الوسيلة القرآنية الأبرز في هذا الإطار هو الوعيد، من خلال تكرار مشهد تخاصم أهل النّار وهم يعذّبون في جهنّم، حيث يصوّر لنا القرآن كيف تُصيب الحَسَرات الأتباع بصفة خاصّة عندما يتخلّى عنهم قادتهم الذين زيّنوا لهم الباطِل في ثياب الحقّ: "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ" (البقرة: 166).

تصوّر لنا الآيات التي جمعناها في هذا التصميم كيف أن الاتهامات المتبادلة تُظهر النظرة الحقيقية التي ينظر بها المستكبرون إلى أتباعهم. فهم لا يرون أنهم يقومون بالتضليل، وإنّما يجذبون من كان لديه استعداد للفساد والطغيان والانحراف عن الحقّ، ولذلك فهم يرفضون تحمل المسؤولية بعد أن ألقوهم في هاوية الهلاك.

في واقعنا العربي والإسلامي اليوم، هناك أدوات يستخدمها المستكبِر ليستميل العقول والقلوب. وأخطرها الأدوات النّاعمة مثل وسائل الإعلام ومنابر الصحافة والنخب المثقفة، حيث يزيّنون للنّاس أن المحافظة على المصلحة العامة أو مراعاة الأمر الواقع يقتضي الرضا بالتآمر مع عدو الأمة الأكبر. بهذا التضليل تسير الشعوب خلف السرديات الباطلة، فلا تدرك كيف تُنهب ثرواتها، ولا تناصر من يقف سدًا منيعًا أمام أعدائها.

بالنظر إلى المشاهد القرآنية التي تصف حال القادة والأتباع يوم القيامة نفهم أن حملات التضليل مهما كان قوية وفعالة، فليست مما يقيم العذر عند الله. ولكي يحمي الإنسان نفسه من هذا المصير الموحش، يتعين عليه أن ينمي بصيرته لكي يرى الحقّ حقًا والباطل باطلًا، ولا يجوز له التكاسُل أو الانقياد السلبي ظانًا أن الوزر سيكون على من ضللوه.

من يركن إلى السلبية قد يجد نفسه يتماهى مع سرديات الاستكبار. بل مع طول العهد قد يجد نفسه يتوجس خيفة من العدالة التي ينادي بها المصلحون، أو ينفر من التضحيات التي يقتضيها السير على الصراط المستقيم. هذا الإنسان الذي يسير مع التيّار هو الذي يريد القرآن الكريم أن يوقظه من غفلته ويهزّه من رقدته من خلال مشاهد تخاصم أهل النار.

الوعيد المتكرر لهذه الفئة هو في الحقيقة دعوة إلى اكتساب الوعي، واتخاذ المواقف السليمة قبل فوات الأوان عندما يتبرّا منهم الذين اتُّبِعوا. عندما يخبرنا الله عز وجل أن الفئتين معًا يوم القيامة "فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ" ‎ (الصافات: ٣٣)، فهو يوجهنا بألا نكون أداة طيّعة في أيدي المستكبرين من حيث نشعر أو لا نشعر.

***

تعليق 1:
إذا كنا نرى اليوم كيف يتبرأ الطغاة من أدواتهم في مختلف البلدان بعد هزيمتهم فيتركونهم في ذل وهوان، فكيف يكون مصير هؤلاء الأتباع يوم يُحقّ الحقّ عند الفزع الأكبر؟ وإذا كان الشيطان نفسه قد نكص على عقبيه حين تراءت فئة النور لفئة الظلام، فكيف يكون حال أتباع الشيطان الأكبر غدًا حين يأذن الله بنصره، ويقع الفصل في الدنيا قبل الآخرة؟

تعليق 2:
يقول شـ ـهيد القرآن:
أليس هناك من يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ}[البقرة: 134] لا. الأمة الواحدة الآخرون قد يكونون سبب ضلالهم وإن كانوا بعد ألفين أو ثلاثة آلاف سنة، قد يكون سبب ضلالهم أولئك المتقدمين عليهم بألفي سنة، بثلاثة آلاف سنة، بأربعة آلاف سنة، أن يكتشف الناس أن أولئك هم الذين أضلوهم وهم الذين أوصلوهم إلى قعر جهنم. ماذا سينفعهم أن يكتشفوا في النار ذلك؟ هل سينفعهم؟ لا.
هنا في الدنيا اكتشفْ، هنا في الدنيا ابحثْ، هنا في الدنيا اعرفْ منابع الضلال، الْعَنْ المضلين هنا في الدنيا، ابتعدْ عنهم هنا في الدنيا، اكشفْ حقائقهم هنا في الدنيا، لا تنطلق لتدافع عنهم، تتأول لهم، تغطي على جرائمهم، على سوء آثار ما عملوا، تجد نفسك في الأخير وأنت كنت هنا في الدنيا مُقدِّساً لهم، وكنت في الدنيا مجلاً لهم، أنت في الآخرة ستطلب زيادة إن أمكن هناك زيادة في العذاب لهم، أصبحت تكرههم كراهةً شديدة، تمقتهم مقتاً شديداً، تلعنهم، لكن ذلك لن ينفعك!

تاريخ النشر 18-01-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة