الدعاء مخ العبادة

يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "الدعاء مخ العبادة"، ومُخّ الشيء هو خِيَاره وخالِصه. فالمعنى هو أن الدعاء يمثل خُلاصة العبادات، أو هو العبادة في أنقى وأرقى صورها. ومن يُتابِع شدّة اهتمام الإسلام بالدعاء، يوقن أن له شأنًا خطيرًا جدًا.

يُرغِّب الإسلام في الدعاء ترغيبًا شديدًا من خلال ربطِه بعبادات أخرى ليصبح هو القاسم المشترك بينها؛ فالمصلّي يُستحب أن يدعو في السجود، والصائم له دعوة مجابة عند الإفطار، والطائف بالبيت يدعو أثناء الطواف، والحاج يدعو أثناء الطواف كذلك وعند عرفة.

هذا بالإضافة إلى التحبيب في الدعاء كعبادة مستقلة من خلال الأحاديث الكثيرة في فضل الدعاء في الأيام والليالي والساعات والمواقيت المحددة، والأجر العظيم الذي يوعَد به من دعا بأدعية بصياغات محددة منها ما هو شديد القِصَر والبساطة، هذه المكافآت الكُبرى على بعض الأدعية التي لا تتجاوز الجملة والجملتين، خلقت أمرًا واقعًا هو أنه لا عُذر لأحد في عدم جعل الدعاء من أولوياته في اليوم والليلة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله إذ يقول: "أعجز الناس من عجز عن الدعاء".

وقد أتى الترغيب في الدعاء قرآنيًا بأساليب شتى ربّما لم تجتمع لأي عبادة أُخرى. أكثرها وضوحًا هو الأمر المباشر بالدعاء كما في قوله تعالى: "ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً"، وكذلك الأمر مع ضمان الإجابة في قوله : "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"، وقوله "فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ".

لكن هناك أيضًا وسائل أخرى، منها تعدد أسماء الله الحُسنى المرتبطة بالدعاء مثل "سميع الدعاء" و "القريب" و "المجيب"، مما يعني أن تصور المسلم عن إلهه لا يكتمل دون الإيمان بفعالية الدعاء كوسيلة أكيدة لنيل الرعاية الإلهية، وحتى سائر الأسماء الحُسنى عندما يتعلمها الإنسان، فهو مأمور أن يوظفها في الدّعاء، عملًا بقوله تعالى: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا".

ومن الأساليب القُرآنية التي اختصّ بها الدّعاء، أن الله عز وجلّ يُعلّمنا أدعية كثيرة يرويها على لسان عباده ذوي الحظوة عنده. فحملة العرش، والعباد المقرّبين كأتباع موسى، وحواريي عيسى، وأصحاب الكهف، وأهل الجنة، وأصحاب الأعراف، وامرأة عمران، وامرأة فرعون كل أولئك لهم دعوات مسجّلة في آيات متفرّقة من كتاب الله.

بل إن القرآن الذي لم يُخبرنا عن شرائع الأمم التي سبقتنا إلا القليل، ولم يذكر لنا عن عبادات الأنبياء إلا لمحات خاطفة (مثل تسبيح داوود عليه السلام)، قد اهتمّ خصوصًا برواية أدعية على لسان نحو نصف الأنبياء والرسل المعروفين، وهم آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وموسى وهارون وشعيب ولوط ويوسف وأيوب وسليمان وزكريا وعيسى عليهم جميعًا السلام. أي أن أكبر قاسم مشترك بين صفوة الله من خلقه بعد كونهم جميعًا على ملة الإسلام هي أنهم يتعبّدون بالدعاء.

وفوق كُل ذلك فإن القرآن يُوجه خير الخلق صلى الله عليه وآله إلى بعض الأدعية مثل "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا" و "وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا"، فالدّعاء تكليف لخيرة الخلق، بل إن ذاته الشريفة صلى الله عليه وآله هي مصداق الدعوة المستجابة، إذ وصف نفسه فقال: "أنا دعوة أبي إبراهيم".

ولعلنا لا نبتعد عن الصواب لو قُلنا إن الدُّعاء هو أول عبادة تعبّد بها الإنسان على الأرض، أي دعاء أبينا آدم وزوجه عليهما السلام طلبًا للمغفرة: " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ".

هذا هو معنى أن الدعاء هو مُخ العبادة، أنه نقطة الالتقاء التي تجتمع إليها كل هذه الطرق النورانية. إلى هذه الدرجة رفعه الله عز وجل حتى جعله "العبادة الكُبرى" كما يقول الإمام الصادق عليه السلام، وجزم النبي صلى الله عليه وآله بالنجاة للمستمسكين به، فقال: "لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لم يهلك مع الدعاء أحد".

فدونك كتاب الله عز وجل، هل ترى فيه عبادة عُظِّم شأنها بمثل هذا القدر؟ أو هل تجد طاعة رغَّب الخالق فيها بكل هذه السبل؟ فإنك إن أردت معرفة الله، أو ملائكته، أو رسله، أو المقربين لديه، أو كيفية عبادته، فإن كل هذه الطرق تقودك مباشرة إلى الدّعاء، كأنه من الدين بمثابة القطب من الرحى، لا يدور إلا عليه.

تاريخ النشر 25-02-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة