من نحن لندعو لهم؟

حوار:

أ: الأنبياء والأئمة والشهداء وأولياء الله الصالحين لا يحتاجون إلى أدعيتنا وأعمالنا فلماذا نهدي ثوابها إليهم؟ من نحن لكي نفعل ذلك؟؟ ألسنا نحن المذنبون الخطاؤون؟ ألسنا نحن من نحتاج إلى دعائهم وشفاعتهم؟

ب: هذه قربات لنا نحن. عندما ندعو للمعصومين وللشهداء العظام فنحن نتعلق بحبلهم، نقول يا رب اجعلنا معهم. أليس من الثوابت ان العبد يحشر مع من أحب، وأن من أحب النبي وأهل بيته كان معهم في درجتهم؟ أي فعل يظهر فيه الحب مثل الدعاء؟

أ: نعم ولكن صيغة الدعاء... مثلًا عند زيارة الرسول (ص) نقول: أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وجاهدت في سبيل الله وعبدت الله حتى أتاك اليقين... وأنك قد رؤفت بالمؤمنين وغلظت على الكافرين إلخ. أو عند زيارة الأئمة نقول: أشهد أنكم قد بلغتم ونصحتم وصبرتم.. إلى آخر الزيارة. من نحن لكي نوزع شهادات حسن سيرة وسلوك على صفوة خلق لله؟ وأستغفر الله على قول ذلك

ب: في البداية هناك مقدمة كُبرى، وهي أن الإنسان أغلى ما لديه مطلقًا، وأكبر رأسماله، بل الرأسمال الوحيد الحقيقي في هذه الدنيا، هو الوقت والانتباه.. أكبر من المال
الأنبياء كلهم أغنياء عن دعواتنا، يمكن أن نقول مجازًا أن دعواتنا لهم تحصيل حاصل، فهم أقرب الناس إلى الله عز وجل فأين يقتربون أزيد من ذلك؟
نفسك تحدثك، بدلًا من أن أنفق رأسمالي الثمين على هذه الدعوات، فلأنفقها على نفسي أولى، أدعو لأهلي وأحبتي ولنفسي العاصية الله يهديها إلخ.
لكن هذا بالضبط هو التحدي.. لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. هل ولائنا للأئمة في درجة أن نفضل الدعاء لهم (وهم غير محتاجين) على أن ندعو لأنفسنا في شدة الاحتياج أم لا؟
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
هنا يظهر الحب حقًا. أريد هذا الإمام أو هذا النبي أن يطلع أني أحبه لهذه الدرجة، وأدعو بما ضمنه الله له
من نفس الباب، مع الفارق الكبير، يحب الله أن ندعو للمسلمين بالغيب، للحُب الذي يثبته ذلك
ولنطبق نفس المعنى على كل عبادة. لماذا أتصدق والله هو الرزاق يعطي الفقير؟ لماذا أصلي والله غني عن العبادة؟ لماذا أحج والبيت مجرد حجر؟ ببساطة لأني أفضل أمر الله على هوى نفسي، ولأني أنا المحتاج أن أرتبط بهذه العبادات
في النهاية تعود كل الطرق إلى معنى واحد: هل أنت عبد أم لا
وبالمناسبة... المسلمون كلهم يعرفون أن إهداء الثواب لا يُنقص من ثواب المُهدي نفسه شيئًا. لكن هناك أشخاص لو بطُل تمامًا هذا المعنى لظلوا يهدون الثواب لأحبتهم كالوالدين والأقربين، الحب يفعل بالنفس فعله

أ: جميل جدًا.. شكرًا جزيلًا.. أحسنت. ولذلك من أجمل السنن الرمضانية التي لاحظتها هذا العام هي حملة #اقرأ_واهد_الشهيد على موقع الإمام الخامنئي في منصة X
كل يوم يختارون شهيد ويهدون ثواب تلاوة القرآن له ويطلبون من المتابعين مشاركة تلاوتهم عبر الوسم نفسه
تخصيص هذا الوقت الثمين كما قلت لمن وصل إلى مقامات نحلم بها هو عين المحبة والإخلاص

******
تذكرت في دعاء الندبة المقطع الذي يذكر الآيات الثلاث: (("قل لا أسألكم عليه أجرًا إلَّا المودّة في القربى" وقلت "ما سألتكم من أجر فهو لكم" وقلت "ما أسألكم عليه من أجر إلَّا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً" فكانوا هم السبيل إليك والمسلك إلى رضوانك..)) الآية الثانية أجدها إجابة على كل هذا، أهل البيت ليسوا بحاجة لمودّتنا، ولا رب العالمين، بل نحن المحتاجون لمودّتهم، "ما سألتكم من أجر (هذه المودة في القربى) فهو لكم" يا أمة محمد، لأنهم هم السبيل الذي يسلك بنا إلى معرفة الله، ومرضاته، وكل خير لنا في الدنيا والآخرة..

*****

كما أنَّ الدعاءُ لأولياءِ الله سببٌ لنيل دعائهم، ودعاؤهم مستجابٌ عند الله. وقد أشار إلى ذلك الإمام خامنئي (دام ظلّه) في إحدى كلماته حيث قال:
"عندما تقرأ: «اللهم كن لوليّك…» فإنك في الحقيقة تتواصل مع إمام زمانك الّذي قال: ادعوا لنا، فنحن أيضًا ندعو لكم"

وأيضًا عندما نقرأ ما ورد في زيارات الأئمة عليهم السّلام، فإننا في الحقيقة نُقرّ بفضلهم ومنزلتهم، لا لحاجتهم إلى إقرارنا، بل لحاجتنا نحن إلى هذا الإقرار. فنحن نشهد لهم أمام الله، ونعترف بفضلهم بين يديه؛ لأن من أحبّهم، وأقرّ بفضلهم، وتبرّأ من أعدائهم، كان معهم إن شاء الله.

وكما نشهد اليوم أمام العالم بأن للمقـ/ومين و المجـ/هدين فضلًا علينا، وأنّ للسيد فضلًا عظيمًا على الأمّة، فإننا لا نفعل ذلك لحاجتهم إلى اعترافنا، بل لأنّنا نحن المحتاجون إلى هذا الوعي والاعتراف. وكما قال السّيد الأقدس ذات مرة في تشييع الحاج عمـ/د مغنيـ_ـة:
"حقّه على هذهِ الأُمَّة أن تعرفه من أجلِها لا من أجلِه،
وحقّه على الأُمَّة أن تستَلهِم رُوحه ودرسه وجهَـ|ده"
⁩ ⁩
ومن الأسباب الأخرى للدعاء لهم والإقرار بفضلهم أنه تذكيرٌ دائمٌ لنا؛ فالنفس البشرية تتأثر بالعوامل الخارجية، وقد تنسى وتنشغل بزخارف الحياة، فيأتي هذا الدعاء ليوقظ القلب، ويُجدّد العهد، ويجعل اللسان يلهج بذكر أولياء الله على الدوام، ويبني بيننا وبينهم رابط روحي لنستلهم من عزمهم وثباتهم وجهـ/دهم في سبيل الله.

تاريخ النشر 28-02-2026