حرب المصطلحات

كل كلمة لها وزن، سواء أدركنا ذلك أم لا. أعداؤنا يدركون ذلك جيدًا، فالبروباغاندا الغربية الاستكبارية تخترق الوعي وتعيد صياغة العقل من خلال حرب المصطلحات، أي الإصرار على ألفاظ معينة لا تعبر عن الحقيقة، وإنما تحرّفها بشكل خفي يخدم أهدافهم ولا يفطن له أغلب الناس، حتى تنتشر هذه المصطلحات كالنار في الهشيم ويصعب تدارك الضرر الذي تحدثه.

مثلًا مصطلح الشرق الأوسط الذي نشره الفكر الغربي قد يبدو بريئًا، ولكنّه يقوم على مركزية أوروبا ويؤكد أن هوية كل فرد في العالم تتحدد بناء على قربه أو بعده من هذا المركز الإمبريالي، من شرق أدنى إلى أوسط إلى أقصى. ولذلك نفهم لماذا يُصر الغرب وحلفاؤه على استخدام هذا المصطلح، في مقابل مصطلح "غرب آسيا" الذي يكثُر في خطابات الجبهات المعادية للاستكبار. ليس ذلك مجرد شيء هامشي، بل هو رفض للعقلية الأوروبية ولأوهام التفوق التي تريد فرضها في كل الساحات، بما فيها الساحة اللغوية.

وقد ركّز القرآن الكريم على فكرة حرب المصطلحات، فنهى عن تسمية قتلى المعارك بالأموات فقال: " وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ" ﴿البقرة: ١٥٤﴾، وأعاد تعريف مصطلحات النصر والهزيمة، ليصبح النصر هو كل ما يُفشل مخططات العدو وليس فقط الانتصار العسكري، فغزوة الأحزاب التي لم يحدث فيها قتال بين الجيشين تعتبر دليلًا على قوة الله، إذ يقول تعالى: "وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا" ﴿الأحزاب: ٢٥﴾. واعتُبرت هذه الغزوة انتصارًا لأنها حققت الأهداف الاستراتيجية للمسلمين، ولم تعد مصطلحات مثل النصر والعزّة قاصرة على الغلبة في ميدان القتال. وكذلك أسمى القرآن صلح الحديبية فتحًا في قوله تعالى: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا" ﴿الفتح: ١﴾. وفي كل ذلك إشارات على أهمية انتقاء المصطلحات والتدقيق في السردية التي تكمن خلف المصطلح، وبهذه اليقظة يتعامل المسلم مع كل ما يُقال، ويتثبت من كل ما يقول.

تاريخ النشر 31-03-2026