Activist Islam
الحركية

تغريدة: عندما تقرأ «تفسير من وحي القرآن» للسيد محمد حسين فضل الله أو مقالاته... ستلاحظ كثرة استخدامه لمشتقات "حركة" و"حركية"... ولم تتجل لنا الأهمية القصوى لهذه الفكرة أكثر من اليوم... هناك خطر كبير من إسلام الركود أو إسلام المتقدسين. مسلم جيد ومهذب ومتصدق وخيِّر، ولكن بسبب عدم حركيته وعدم احتكاكه بعالم الأفكار والاجتماع، يصبح مطيّة للمستكبرين.

***

تكلم الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي عن الحركة في كتابه (العين النضّاخة) وشبهها بحركة الماء بالطبيعة:

«في بعض الأحيان، يُجمَع مقدارٌ من الماء في حوضٍ مُغلَق من دون أن يكون لهذا الماء مجرى يجري فيه، وفي هذه الصورة يكون في داخل هذا الماء طاقة كامنة للحركة، إلّا أنّ هذه الطاقة لا تكون مفعَلةً، ولا تكون منشأً لأثرٍ خارجيّ. ولكن إذا حُفرَ مجرى لهذا الماء، فإنّ الطاقة الكامنة في داخله تتفعّل ويتحرّك الماء في مجراه، وعندئذٍ باستطاعة هذا الماء الجاري - بحسب مقداره والظروف المؤثرة في حركته - أن يكون منشأً لآثارٍ خارجيّةٍ كثيرةٍ، إلى درجة أنّه قد يصبح سببًا في توفير الطاقة الكهربائيّة لمدينة كاملة.

وكذا الحال في مورد التعبئة، فإنّها عبارة عن طاقةٍ كامنةٍ في المجتمع الإسلاميّ، فإذا تحقّقت عوامل ظهورها وتحرّكها، تتبدّل إلى طاقةٍ سيّالةٍ وفعّالةٍ في المجتمع.

ويمكن تشبيه الطاقات الموجودة في المجتمع بالطاقات الموجودة في أنواع المياه الطبيعيّة، فهذه المياه قد تكون في بعض الأحيان مياهًا راكدة وهذا النوع من المياه يعاني من عيبين أساسيَّين:

العيب الأوّل: أنّ حجمَه ينقص ويتضاءَل على أثر عمليّة التبخّر، إلى أن يزولَ شيئًا فشيئًا، ولا يحلّ مكانه ماء آخر.

العيب الثاني: أنّه ينفعل بسرعةٍ على أثر العوامل الخارجيّة المحيطة به، فيتعفّن تدريجيًّا ويتحوّل إلى مستنقَعٍ قذر، الأمر الذي من شأنه أن يؤدِّيَ إلى كثيرِ من المفاسد والأضرار.

وكذلك حال أفراد المجتمع الذين لا يكون لديهم أيّ حركةٍ أو تأثير، فإنّهم ينفعلون بسرعةٍ تحت تأثير العوامل المحيطة بهم، ومن الممكن أن يتحوّلوا إلى عناصر مضرّةٍ بالمجتمع، حالهم كحال المستنقعات الآسنة التي تصيرُ مكانًا لانتشار الميكروبات المضرّة والأمراض المؤذية.

وفي مقابل هذا النوع من المياه، من الممكن ألّا تكون المياه الطبيعيّة مياهًا راكدةً لا حياة فيها، بل يكون لها منبعُ تتدفّق منه، إلا أنّها لا تكون واجدةً لمقدار من القوّة يسمح لها بالحركة والجريان بالنحو المناسب. وهذا ما يمكن أن نجده في عيون الماء الصغيرة التي تتدفق في الهضاب، فإنك لو أزلتَ مقدارًا من مائها فسوف تجد ماءً يتدفق من جديد ويملأ مكان الماء الذي أزلتَه، ولكن مع ذلك، لا تكون
مياهُ هذه العيون جارية؛ لأنّ قوّة انبثاقها من منبعها ليست بالمقدار الذى يخوّلها أن تتّخذ مجرى لها.

وبالطبع، إنّ هذا النوع من المياه ليس كالمياه الراكدة التي تنتهي بمجرد إزالتها أو تبخّرها، بل إنّها تتدفّق من جديدٍ بمجرّد زوال مقدار منها، غاية الأمر أنّها لا تتمتّع بالقوّة الكافية كي تجري وتسيل وتروي الأراضيَ العطشى المحيطة بها فتنموَ فيها سهولٌ خضراءُ وأشجار وحقول.

وكذلك حال بعض أفراد المجتمع، فهم يشبهون هذه العيون الصغيرة، بحيث يمتلكون القدرة على حفظ وجودهم وصيانة أنفسهم من التحلّل والانفعال على أثر العوامل الاجتماعيّة، إلا أنهم عاجزون عن إيصال النفع إلى الآخرين وتقديم العون والمساعدة لهم في حل مشكلاتهم الاجتماعيّة.

وقد يُعثَر في المياه الطبيعيّة أيضًا على جداول ماء صغيرة، بحيث تتخذ لنفسها مجرى تجري فيه وتتحرّك، إلّا أنّ حركتها تكون ضعيفة ومقدارها يكون قليلًا؛ لأنها لا تنبع من عيون تمدّها على الدوام، لذلك تكون سريعة التأثّر والتضرّر بالعوامل المحيطة بها، فإذا وصلت إلي أرض رخوةٍ فإنّها تغور فيها وتختفي. بالطبع، يمكن سدّ الطريق أمام جريان هذه المياه وحفظ مائها في أحواضٍ مُغلقةٍ وصيانتها من الآفات بنحوٍ صناعيّ، إلّا أنَّه لا يُتأمَّل ذلك منها بنحوٍ طبيعيّ. وكذلك حال بعض أفراد المجتمع، فإنّهم يتحرّكون في المجتمع حركةً ضعيفةً لا تنبثق من مبدأ قوي، فتنتهي حركتهم على أثر العوامل المحيطة.

ثمّ إنّ في الطبيعة أيضًا عيونًا نضّاخة تكون مياهُها غزيرةً ومتدفّقةً بكلّ قوة، فلا تتحلّل ولا تتلوّث ولا تتحوّل إلى مستنقعات، بل تبقى جارية بنحوٍ سريعٍ ومتدفّق، فتروي النباتات والحيوانات والبشر، وتصير سببًا لحياة الأراضي الميّتة.

وهذا هو حال التعبويّين في المجتمع الإسلاميّ، فهم كالعين النضّاخة التي تتدّفق على الدوام وتفيض على غيرها بالخير ولا تتوقّف عن الحركة لحظةً لكيلا تتحلّل أو تتضرّر بسبب العوامل الخارجيّة.

وهي بجريانها لا تؤمّن استمراريّة حياتها فحسب، بل تمنح الحياة لغيرها أيضًا، ولا تصون نفسها عن الانفعال بالملوّثات فحسب، بل تزيلها وتُصيّر مكانَها نقيًّا أيضًا.

وبناءً عليه، فإنّ أفضلَ قَوّةً من شأنها أن تنهض بدور في تقدّم المجتمع ونموّه ورشده ورفعته وحفظ قِيَمه، وأن تشكّل مانعًا من ظهور الفساد والملوّثات في المجتمع وتوسعها وانتشارها هي الحركة التعبويَّةُ؛ وذلك لأنّها كالعين النضَاخة التي لا تتوقّف حركتها ولا ينتهي تدفّقها».

تاريخ النشر 31-03-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة