المُطالع لسيرة النبي صلى الله عليه وآله يتعجب من تسامحه الكبير مع المنافقين، ولا سيما رؤوس النّفاق الذين كان يعرفهم بالاسم مثل أصحاب العقبة. على الرغم من أن القرآن فيه مئات الآيات في التحذير من خطر المنافقين وذمّهم ووعيدهم، لكنّهم تُرِكوا يعيشون بحرية في مجتمع المدينة بل وأول ما فعله النبي صلى الله عليه وآله في يوم فتح هو العفو عن الطلقاء وهو يعلم أن قسم منهم كان منافقًا يضمر العداء للإسلام وأهله.
يبدو أن الإسلام يسمح لهذه الفئة بأن تتحرك بقدر من الأمان، بخلاف الأنظمة القمعية على مدار التاريخ التي كانت تتعامل مع هذه الفئة (على افتراض صحة الاتهام) ببطش كبير وتفتش في الضمائر (سواء كانت تسميها المنافقين أو المتخابرين أو الطابور الخامس أو غير ذلك)، وكثيرًا ما تُنزل العقوبة بالظنّة ودون إقامة البيّنة.
يلفت الشيخ بناهيان النظر إلى هذه المسألة في كتاب "ثقافة الانتظار"، ويشرح أن ذلك المنهج النبويّ في التسامح مع المنافقين يتناغم مع الهدف الأسمى للإسلام، ألا وهو "مراعاة كرامة الإنسان". مشروع الإسلام هو مشروع الكرامة بمعناها الشامل، ولا سيما كرامة العقل الذي يراد منه التحرّك بحرية وتقرير مصيره بنفسه.
من لوازم الكرامة أن يُبيّن الوحي ماهية المخاطر وأين تكمن البوصلة الصحيحة، ثم يُترك الإنسان بعد ذلك ليختار بحرية. ولهذا يبيّن القرآن الكريم صفات المنافقين دون تسمية أي منهم، ويحترم العقل الذي يستطيع تحليل الواقع، ومن أراد أن يضلّ بعد ذلك فليفعل.
من لوازم الكرامة أيضًا ألا تُمارَس الوصاية الفكرية والتضييق والحظر وما شاكل. لذلك في آية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ" (الحجرات: 6)، لا نجد عقوبة على هذا الفاسق ولا أمر بالتضييق عليه، وإنما تُسند المسؤولية إلى المجتمع من خلال الأمر "فَتَبَيَّنُوا".
في ضوء هذا المنهج، قد يحدث، كما يقول الشيخ بناهيان، "أن ينحرف الضعاف من المؤمنين بواسطة المنافقين بسهولة، وأن يستولي اليأس واللبس على عامة النّاس"، لكن هذا ثمن مقبول في سبيل الحفاظ على القيمة الكُبرى.. كرامة الإنسان وحريته.
ولهذا، كانت حكومة أمير المؤمنين عليه السلام تجسد مبدأ "إن في العدل سعة"، فتتعامل برحابة صدر مع المنافقين ما داموا يعيشون في رحاب المجتمع وكانت المواجهة بالتبيين والجدال بالتي هي أحسن. بل كان الخوارج يسبون الإمام عليه السلام في عهد خلافته ويعلنون تكفيره ولكنه لم يسجنهم أو يعاقبهم أو يمنعهم من التعبير عن آرائهم ولم يقاتلهم إلا عندما بدأوه هم بالقتال.
الإسلام يريد مجتمعًا يحترم الإنسان حتى ولو عاش فيه من يبطن الكراهية للإسلام نفسه ورسوله وقرآنه. لكنه يرفض ضيق الأفق الذي يلغي كرامة الإنسان، حتى ولو كان المجتمع كله مسلمًا.
الإسلام يلقي عليك الحجة ويدعك تختار بحرية إما طريق الهدى أو طريق الهوى والضلال.



