الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

في 18 ذو الحجة تحل ذكرى يوم الغدير، اليوم الذي أُكمِل فيه الدين الأعظم، وتمت فيه النعمة الكبرى على البشرية، ونزلت من أجله الآية الكريمة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (المائدة: 3)، إذ جمع رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمون في طريق العودة من حجة الوداع عند غدير خُمّ، وألقى خطبة اختتمها بأن رفع يد الإمام علي عليه السلام وقال: "ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى، قال: من كُنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه".

هكذا أصبح مفهوم "الولاية" هو الإطار الذي ينظّم شكل الأمة الإسلامية، تأكيدًا لمعنىً ورد في عشرات المواضع في القرآن الكريم، ولخّصه الإمام الكاظم عليه السلام بقوله: "الولاية هي دين الحق". والولاية في معناها الحقيقي ليست مجرّد النصرة بين المؤمنين وبعضهم والتحاب بينهم كما يحصرها البعض، ولكن معناها كما يقول العلامة الطباطبائي، هي إثبات "مالكية التدبير"، أي الخضوع التام للوليّ وأحكامه، وهو الله عز وجلّ ومن يُعطى مقام الولاية بتنصيب إلهيّ، كما يفيد أسلوب القصر في الآية الكريمة: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" ‎﴿المائدة: ٥٥﴾

مقولة الإمام الكاظم عليه السلام تضع الولاية إذًا في موضعها الصحيح، فالولاية قرآنيًا هي جزء من ثنائية لا مناص منها بالنسبة للإنسان، هل هو من أولياء الله أم هو من أولياء الطاغوت؟ يقول تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ‎﴿البقرة: ٢٥٧﴾‏، فهذه الآية تجعل الولاية بمثابة الباب نحو الجنة والأنوار الإلهية لمن يوالي الله عز وجل، والباب نحو عذاب النار لمن يوالي الطاغوت، وليس هناك طريق ثالث.

وقد عبر أئمة أهل البيت عليهم السلام عن مركزيّة الولاية بالنسبة للإسلام، بروايات كثيرة، منها قول الإمام الصادق عليه السلام: "بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، ثم قال: الولاية أفضل؛ لأنّها مفتاحهنّ والوالي هو الدليل عليهنّ." أي أن كل أسس الإسلام مدخلها ليس سوى الولاية.

الولاية وفقًا لهذا الفهم ليست فقط جزءًا أو ركنًا من أركان الدين، وإنما هي صميمه وجوهره. يقول الإمام الخامنائي (قدس سره) أن الولاية بمثابة التجسيد العملي لمعنى شهادة "لا إله إلا الله"، فالطواغيت في كل عصر لا يعادون التوحيد النظري الذي لا يغيّر من علاقات الموالاة في المجتمع،مثلما كانت قريش تتقبل وجود بعض الحُنفاء في مكّة ما داموا يتصالحون مع عبادة الأوثان.

أما التوحيد الذي يأتي به الأنبياء والرّسُل، فله شق عمليّ هو الولاية، أن يصبح الإنسان في كل حركة وسكون خاضعًا لوليّ يسير بأنوار الشريعة الإلهيّة، وبالقدر نفسه يصبح معاديًا لكل وليٍّ يسير بظلمات الهوى. وأحداث الأعوام الماضية في المنطقة شاهدة على صعوبة الخروج من ولاية الطاغوت إلى ولاية الله عز وجل، وفداحة الثمن الذي يدفعه من يستمسكون بالولاية بمعناها الصحيح.

ولذلك كان سيد شهداء الأمة، السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، يقول إن أصعب امتحان ليس امتحان الصلاة أو الصوم، وإنما هو الولاية. بل إن العلامة الطباطبائي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يقول إن الولاية "هي الكمال الأخير الحقيقي للإنسان، وأنّها الغرض الأخير من تشريع الشريعة الإلهية الحقة"، أي أن علاقة الموالاة هي مناط الامتحان الدنيوي بأسره، والإنسان تكليفه أن يختار أي طريقي الولاية يختار طريق الله أم طريق الطاغوت، وكل عمله بعد ذلك يُقام على هذا الأساس، وذلك كقول الشاعر:

أمامك فانظر أيَّ نهجيك تَنْهجُ
طريقان شتى مستقيمٌ وأعوجُ

تاريخ النشر 04-06-2026