عندما تستعاد بطولات الثورة الحسينية وتضحيات كل من رسمت دماؤهم لوحة كربلاء الخالدة، يظل هناك اسمٌ غائب. اسمٌ له نصيب من المعركة كنصيب الحسين عليه السلام سواءً بسواء، وإن كان لا يكاد يُذكر في هذا السياق إلا عَرَضًا، ونعني الحسن عليه السلام.
فالإمام المجتبى عليه السلام من أكثر الشخصيات المظلومة في تاريخ الإسلام، وقد ابتُليَت تضحياته الكُبرى بقراءات خاطئة غلَبَت على العقول فشوّهت معنى مصالحته لمعاوية، حتى إن كثيرين أخطأوا تشخيص الهدف من الصُّلح والدرس المستفاد منه، فظنوا أنه يعطيهم رخصة لإيثار السلامة ومهادنة الظالمين عندما تكون لهؤلاء الغَلَبة، والتخلّي عن الوقوف في صفّ الحق، فخلطوا بين إعادة السيف لغمده حينًا من الزمن، وبين إلقائه بالكلية.
أما أولو البصائر من الذين درسوا هذه القضية، فإنهم يرون أنه ليس هُناك مسارين، واحد حسنيّ وآخر حسينيّ، كما يظن البعض، بل هو مسار واحد عنوانه "أداء التكليف"، الذي اتخذ شكل الهدنة تارة، واتخذ شكل الثورة تارة أخرى، فكل منهما وجهين متكافئين لعملة واحدة.
يبيّن الإمام الخامنئي (قدس سره) أن الصلح كان بمثابة "وقف إطلاق نار"، وقد جاء نتيجة قراءة استراتيجية صحيحة للأحداث، حيث كان من المستحيل تحقيق النصر العسكري على جند الشام لأسباب كثيرة، من أبرزها أن بصيرة الناس كانت قد فسدت بفعل الحزب الأموي وأقبلوا على الدّنيا وملذاتها وسئموا الجـ..هاد، وكانت الهزيمة العسكرية ستؤدي إلى أن يُصبح الإسلام المحمّديّ فصلًا منسيًا من فصول التاريخ. وبالتالي كان تكليف الإمام هو ألا تخلو الساحة للأعداء يحرّفون الإسلام كما شاءوا، ويلبّسون على العوام بأنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وكُتّاب الوحي.
خيار الحسن عليه السلام إذًا في حقيقته لم يكن "قعودًا" عن القتال، وإنما هو "قيام" بالتكليف"، ومناورة سياسية حفَر بها الإمام قبور خصومه قبرًا قبرًا، كما يقول الشيخ راضي آل ياسين في كتابه الوافي "صلح الإمام الحسن"، إذ أثبت الإمام بهذه الخطة المحكمة حقيقة المشروع الأموي التي كانت مستترة خلف الشعارات الإسلامية ما دامت الحرب قائمة، حتى إذا انقشع غبار المعركة صاح قائدهم: "والله إني ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتزكّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم!"
وقد كانت أفعال الإمام الحسن عليه السلام بعد انعقاد الصلح تؤكد أنه لم يعتزل في بيته، وإنما قدم للأمة مصداقًا مثاليًا للإسلام المحمدي في مقابل نموذج الإسلام الأموي. فبينما كان ملوك بنو أمية تُضرَب لهم السرادقات العظيمة في موسم الحجّ، رأى الناس أن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يحجّ ماشيًا بضعًا وعشرين مرة، مما يدعوهم بلا شك إلى المقارنة. وبينما كانت سياسات بني أمية هي سياسة اكتناز للثروات، رأى الناس سيد شباب أهل الجنّة يُقاسم الله أمواله ثلاث مرّات، فتسير بأخبار صدقاته العظيمة الركبان. وهذا الأسلوب في المعارضة بإظهار الضدّ قد يكون أكثر تأثيرًا من المقـ..اومة الصريحة في ضوء الظروف التي توفّرت في ذلك الزمان. فكانت مرحلة ما بعد الصلح هي فترة جـ..هاد في ميدان آخر لم يحسب له العدو حسابًا.
ثم عندما اتّضح أن بنو أميّة لا ميثاق لهم ولا شرَف، وأن الهُدنة معهم لا تجلب الأمان للأمة وإنما تهرق الدماء وتصادر الأموال وتهدم الدور، وأن مشروعهم هو مشروع الملك العضوض، أصبحت الظروف مهيّئة لكي يخرج الحسين عليه السلام ويعلن عدم شرعية الحكم الأموي، وكانت هذه الثورة أيضًا خطوة على نفس المسار الذي يقيم الحجة على الأمة حتى تعيد الحق إلى أهله وتستمسك بالعروة الوثقى.
وبالتالي فمرحلة الصُّلح لم تكن رخصة للركون إلى الظالمين والإقبال عليهم، بل هي وسيلة للحفاظ على المشروع الإلهي الذي أقام النبي صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت بنيانه طوال 250 عامًا متواصلة، مشروع يتمحور حول إبقاء جذوة الشوق إلى العدل متقدة في النفوس، حتى وإن اختفت هذه الجذوة تحت الرماد حينًا من الزمن.
قام الحسن عليه السلام بهذه التضحية الكُبرى، ، وبذل حياته ثمنًا لذلك، ورضي بألا ينصفه الرأي العام من الفريقين إلا قليلًا منهم، كي ينقذ وعي الأمة ويحمي الدين من الانقراض. ومن أجل ذلك قال السيد عبد الحسين شرف الدين: "كانت كربلاء شهادة حسنية قبل أن تكون حسينية، وكان يوم ساباط (كناية عن الصلح) أعرق بمعاني التضحية من يوم الطفّ لدى أولي الألباب"



