لا يزال المتآمرون عاجزين عن فهم طبيعة العلاقة التي تربط أهل الحق بقادتهم، إذ يحسبون أن علاقة الولاية بكل أبعادها يمكن أن تتفكك وتتحلل إذا تم تغييب القيادات، لذلك يتعاملون معهم بعقلية "اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُم"، أي أن الساحة ستخلو لكم إذا تمكنتم من إقصاء خصمكم، فهكذا تمارس جبهة الاستكبار الآن سياسة قطع الرؤوس، لكنهم المفاجأة التي تنتظرهم دائمًا هي أن تلك المؤامرات تأتي بنتائج عكسية.
بعض الغياب قد يصبح أكثر إشراقًا من أي حضور. فقد ظل يوسف حاضرًا في دموع أبيه طيلة أربعين عامًا، ولم يخلُ لإخوته وجه أبيهم كما كانوا يتمنون. وهكذا جرت سنة التاريخ، أنه في مقابل كل عُصبة متآمرة تلقي وليًّا لله في غيابة الجبّ، هناك قلوب صادقة تظل تجد ريح يوسف وإن حجبته عنها الغيوب.
ذلك الغياب الذي يسمو على الحضور هو ما تجلى خلال الأيام الماضية في مشاهد التشييع التي خرج فيها عشرات الملايين في إيران والعراق ليودعوا الولي القائد قدس سره، بالإضافة إلى التشييعات الرمزية التي حضرها الألوف حول العالم، ومن وراء كل ذلك ما لا يحصى من القلوب التي كانت تتمنى أن تكون حاضرة بين الجموع، ليرسموا بذلك لوحة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. وإذا بالساحات التي كان العدو يظن أنها ستصبح خاوية على عروشها تمتلئ عن بكرة أبيها بالمحبّين الآتين من كل فجّ عميق ليجددوا البيعة لنهج القائد الشـهـ...يد.
راهن العدو أنه باغتيال الشيخ الثمانيني، سيخلو له وجه المنطقة والعالم ليفعل ما يشاء، ولكن سرعان ما اكتشف أن الخامنئي شهـ..يدًا قد أصبح أكثر حضورًا في الساحة من الخامنئي قائدًا، حتى اعترفت مديرة الاستخبارات الأمريكية في مطلع الحرب أنهم أساءوا تقدير عواقب الاغتيال ولم يظنوا أنها ستؤدي إلى توحيد كلمة الشعب ضد العدوان الأمريكي مثلما حدث، وحتى اعترف ترامب في الأيام الماضية بأنه لم يكن يتوقّع أن يكون التشييع بهذا الحجم، وكفى بهذا إقرارًا بأن رهانهم كان خاسرًا.
إن التفاف الجماهير حول نعش الإمام الشـ..هيد هو شاهد جديد على صدق مقولة الإمام الخميني (قدس سره): "اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر"، هذه العبارة التي كان صداها يتردد كلما قام الشهـ..يد الأقدس رضوان الله تعالى عليه بإحياء ذكرى القادة الشـ..هداء، وقد عبر عن معناها في إحدى خطبه فقال: "عندما تقتلون قادتنا نزداد عنادًا، نزداد تصلبًا، نزداد تمسكًا بالحق، نزداد إحساسًا بالمسؤولية، لأننا نعتبر أن الطريق الذي مشيناه فقدنا فيه هؤلاء العظماء وهؤلاء الكبار، كيف يمكن أن نتخلى عن هذا الطريق؟".
وهذا المعنى هو ما أشار عليه السيد مجتبى حفظه الله في خطابه اليوم، إذ قال: "أنّ هذا الأمر [أي الثأر] لا يتوقف على وجودي أنا أو وجود سائر المسؤولين؛ فنحن، سواء أكنّا موجودين أم لم نكن، سيتحقق هذا الأمر"، وهكذا كان القادة يؤكدون على الدوام، إن مسيرة الدفاع عن المستضعفين لن تتوقف بغياب الرموز والقادة، وإنما ستكتسب زخمًا متصاعدًا ببركة هذه التضحيات. إذ لا معنى للغياب، ما دام الله حاضرًا في الساحة.



