كم من المعاني السامية يطول فيها الكلام فلا يروي الغليل، فإذا وجد الإنسان شخصًا يعيش هذه المعاني بكل جوانحه، استغنى عن كل شرحٍ واكتفى بالعِيان. لهذه الحكمة أتت رسالات السماء في معيّة أنبياء هم نفس تلك الرسالات وقد تجسدت لحمًا ودمًا. ولذلك كان ميراثنا من الرّسول الأعظم صلى الله عليه وآله هو "كتاب الله وعترتي"، لكي تكتمل الحجة بوجود الحكمة المسطورة ومصاديقها الحيّة.
الأمة اليوم تمرّ بامتحان صعب ومزلزل، وغربلةً لن يبقى منها إلا الأندر فالأندر، ونرى أنه لا مخرج من ذلك سوى خطّ ومنهج يطلق عليه "الإسلام الولائي". شرح هذا المصطلح وأبعاده وكل المفاهيم المتصلة به ليس مطلبًا سهلًا، لكنه يهون إذا نظرنا إلى أفضل مصاديق هذا الإسلام في زماننا. بل ربّما يكفينا أن ننظر إلى "لقطة" من مسيرتهم تلخّص كل الموضوع.
وإذا بحثنا في هذا العالم شرقًا وغربًا، لن نجد من يمثّل الإسلام الولائي في هذا الزمان مثل الشهـ..يد الأقدس السيد حـ..س/ن نصر الله، و الشهـ..يد الولي القائد الإمام الخامنئي، قدس سرهما. ولن نجد مشهدًا يلخّص جوهر مسيرتهما مثل مشهد التشييع المليوني المهيب الذي حظِي به كل منهما، الأول في فبراير 2025 تحت شعار "إنّا على العهد"، والثاني في الأيام الماضية تحت شعار "قُومُوا لله" في هذين الشعارين، وفي هذين السيّدين، تتلخص الحكاية.
الإسلام الولائي هو دين اتّباع القيادة التي تحمل راية الحق، اتباعًا يستوفي معاني "الولاية" من المحبة والنصرة والتأييد والفداء، بل ويزيد عليها إلى درجة أرقى من ذلك، وهي المشار إليها في دعاء العهد في العبارة: "اللهُمَّ اجعَلني مِن أنصارِهِ... وَالسَّابِقِينَ إلى إرادَتِهِ"، أي أن يكون الموالون ممن يسارعون في تحقيق إرادة وليّهم فيستبقون الزمان إليها، حتى إنهم قد يبادرون إلى ما يريد الوليّ قبل ان ينطق بها.
وكذلك كان الشهـ..يد الأقدس رضوان الله تعالى عليه، عارفًا بحق الوليّ ومرتبطًا به بعلاقة الولاية بمعناها الحقيقي، فقد كان يرى أن الولاية أمرٌ أسمى من إطاعة الأوامر واجتناب النواهي، وإنما "يكفي أن نحتمل أن هذا الأمر يرضيه، نفعله، يكفي أن نحتمل أن هذا الأمر يؤذيه أو يزعجه أو يغضبه، نتجنبه" الولاية لدى السيّد كانت كما ينبغي أن تكون: ذوبانًا للعاشقين وفناءً لهم في المحبوب، فلا عجب إذن أن يكون هذا الحب ملهِمًا للملايين كي تحذو حذوه على طريق الولاية، وأن تعاهده باتباع نهجه بشعار "إنا على العهد".
والإسلام الولائي في جوهره هو دين القيام (أي الحركة والنضال والسعي للإصلاح) مقابل دين القعود والانزواء، عملًا بقوله تعالى: "كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ" ﴿المائدة: ٨﴾، أي لا بد أن تكون حياة المؤمنين في قيام ونشاط مستمر نحو تحقيق العدل من منطلق الإخلاص لله عز وجل، والقضاء على كل أشكال الظلم الذي تمنع العباد من السير في طريق التكامل الذي خُلقوا من أجله.
وبالفعل، فسيرة الإمام الخامنئي (قدس سره) تتطابق مع هذا المفهوم، حتى إن قصة حياته تتلخّص في أنّه كان "قوّامًا" بكل ما في الكلمة من معانٍ توحي بالحركة والـجـ..هاد، بين منافيه الثلاثة وأماكن اعتقاله الستة قبل الثورة الإسلامية، وبين جبهات القتال وبين بيوت عوائل الشــ..هداء، كان "رجل دين" بالمعنى المحمديّ الأصيل الذي يرى أن آفاق الدين يجب أن تمتد لتشمل كل جوانب الحياة. كان شعلة نشاطٍ لا تخبو في كل ميادين النضال الفكرية والحركيّة، كما أشار الولي القائد السيد مجتبى (أدام الله ظله) في رثائه له، حيث وصفه بأنه "فكّر حسينيًا، وتحرّك حسينيًا، وجاهد وقاوم حسينيًا". فلَا عَجَب أن يُشيّع من كانت هذه حياته بشعار "قوموا لله".
هكذا كان هذين العَلَمَيْن الشامخين، في حياتهما وفي مماتهما وفي تشييعهما، إشراقة لشمس الإسلام الولائي ومصداقًا ناصعًا له، وقيامًا لله ترتعد منه طواغيت الأرض، وثباتًا على العهد تغار منه الجبال الرواسي. هم المعنى بتمامه فلا مجال بعد هذا لوصفِ الواصفين.
خُذ ما تَراهُ وَدَع شَيئاً سَمِعتَ بِهِ
في طَلعَةِ الشَمسِ ما يُغنيكَ عَن زُحَلِ



