Surely Allah will try you with a river
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ

لأن الولاية هي جوهر الدين، ومعيار معرفة المخلصين، فإن الله عز وجل يمتحِن حقيقة الإيمان بالولاية في مختلف جوانبها حتى يظهر الصادقون حقًا، ويأتي الامتحان تلو الآخر ليفرز الصفوف أكثر، حتى لا يبقى في النهاية إلا حزب ولاية الله الثابتين على طاعته، وحينها ينال هؤلاء نصره الموعود بالاستخلاف والتمكين. لكن هذا الامتحان يحتاج يقظة، لأنه قد يأتي من حيث لا نحتسب، وبصورة مختلفة عمّا نتصوّر.

يسمي القرآن عملية "الفرز" بالابتلاء، أي إظهار الصفات النفسانية الكامنة من خلال العمل الذي يظهر حقيقة الإنسان، بخلاف القول الذي يحتمل الصدق والكذب، كما أتى في تفسير الميزان.

هذه العملية متعددة المراحل هي التي وصفها الإمام الباقر عليه السلام فقال: "لا يكون فرجنا حتى تغربلوا ثم تغربلوا ثم تغربلوا حتى يذهب الله تعالى الكدر ويبقي الصفو".

وروي مثل ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام بعبارات شديدة اللهجة: "والله لتكسرن تكسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود كما كان، والله لتكسرن تكسر الفخار، وإن الفخار ليتكسر فلا يعود كما كان، ووالله لتغربلن، ووالله لتميزن، ووالله لتمحصن حتى لا يبقى منكم إلا الأقل".

عندما يعيد الأئمة عليهم السلام نفس المعنى بالتكرار اللفظي والمعنوي للغربلة، فإن ذلك لا يعني أن الامتحان يتكرر مرة تلو الأخرى، وإنما المعنى الأرجح أن الامتحان يزداد صعوبة وفتحات الغربال تزداد ضيقًا، حتى يتحقق الغرض وهو الوصول إلى أنقى الأنقياء من الموالين . وجزء من الصعوبة يكمن في "هيئة" الابتلاء.

قصة طالوت كما يحكيها القرآن الكريم تكشف عن هذه المسألة، أي تعاقب الامتحانات، وإتيان بعضها بصورة غير متوقعة. فالسرد القرآني لا يركز فيها على الانتصار الذي لم يذكر إلا ببضع كلمات وحسب: "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ" ﴿البقرة: ٢٥١﴾‏. إنما تركز القصة بالأساس على المسيرة، على الكيفية التي امتُحن بها صدق ولاية بني إسرائيل وطاعتهم وانقيادهم المطلق لوليّهم، حتى إذا تبقى المخلصون الثابتون الذين لم يسقطوا، أصبح النصر مضمونًا لهم.

تبدأ القصة بادعاء بني إسرائيل أنهم يريدون وليًا لله يقاتلون معه: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". هذه هي الدعوى التي تتضرّع بها الأمم التي ذاقت مرارة ولاية الطاغوت، وتاقت إلى ولاية العدل الإلهي، ولكن ليست كل المجتمعات تصدّق هذه الدعوى بالعمل.

عندما يأتي الله بوليٍ يرتضيه إلى مجتمع ما، على شكل رسولٍ أو وصيٍ أو إمامٍ أو عالم جامع للشرائط، إذا بأغلب المجتمعات تقابل وليها كما قابل بنو إسرائيل طالوت بالسؤال الاستنكاري: "أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ" ﴿البقرة: ٢٤٧﴾‏.

ولا تنتهي المصاعب عند تنصيب الوليّ أو قبول حكمه، فإنه عندما يعلن المواجهة مع جند الباطل، إذا بالبعض يتولّون أصلًا عن المواجهة: " فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ‎﴿البقرة: ٢٤٦﴾‏، ومنهم من يشارك وهو متذبذب بين التقدم والتراجع، ولسان حاله: "لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ" ﴿البقرة: ٢٤٩﴾‏.

ولعل الامتحان الأصعب في قصة طالوت ليس قبول الاختيار الإلهي، ولا الثبات أمام العدو الأقوى، وإنما هو امتحان "الامتناع عن المباح"، المعبّر عنه بقول طالوت: "إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ" ‎﴿البقرة: ٢٤٩﴾‏. هُنا الامتحان ليس في تطبيق حكمٍ شرعيّ واجب كالجهاد (فالجيش كله خارج اصلًا في جهاد) ولا في الامتناع عن معصية، وإنما في ترك أمر مباح بل ومستحب، فالقوم مقبلون على حرب ضد عدو متفوق عدديًا ولا ضرر من الاستعداد لها بحمل الماء، بدلًا من خوض معركة مع العطش إضافة إلى المعركة الأصلية.

من شرب من هذا الماء ربما لم يكن يقصد معصية الوليّ، ولعلّه كان يقول لنفسه أنه يتقوّى لكي يكون أقدر على القتال، ولكن الله يأبى أن يُطاع إلا من حيث يأمر. الولاية تظهر حقًا عندما يصبح هناك مجال للاجتهاد الشخصي والموازنة بين الخيارات، هنا يظهر من الذين يؤثرون هوى الوليّ على هوى أنفسهم، ومن الذين يعطون أنفسهم حق المخالفة.

من لا يعي خطورة الولاية، قد يجادل في قيمة شربة الماء لكي يستحق الإنسان أن يُطرد بسببها من الانتماء إلى جند طالوت، وقد يتساءل لماذا أضعف طالوت جيشه بأن أخرج منه هؤلاء الشاربين. ولكن الحقيقة هي أن صفوف المؤمنين تقوى وتزداد صلابة وبأسًا كلما خرج منها ضعفاء الولاية، لأنهم "لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا" ‎﴿التوبة: ٤٧﴾‏، ولأنهم"لَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا" ‎﴿الأحزاب: ٢٠﴾.

قصة فرز بني إسرائيل بغربلة تلو غربلة حتى يستحقوا ملوكًا بعظمة داود وسليمان عليهما السلام من بعد طالوت، وحتى تكتمل وراثتهم للأرض المقدسة، هي في الحقيقة قصة مجتمعات كثيرة في كل زمان تتوق إلى العدل الإلهي، فيبتليها الله حتى يرى منها الصبر فينزل عليها النصر، كما قال أمير المؤمنين عليهم السلام.

هذه القصة تعلمنا أنه لكي يجتاز الإنسان امتحان الولاية ويصبح ضمن "الأندر الأندر" و ضمن "الصفو" الذين بشّر بهم أهل البيت عليهم السلام، فيجب أن يوطّن نفسه على الانقياد للوليّ كمبدأ أساسي لا يغفل عن التمسّك به طرفة عين، لأنه لا يعلم من أين سيُبتلى ولا في أي شربة سيصدر عليه حكم "لَيسَ منِّي".

خرج الجنود مع طالوت وهم يحسبون أن الابتلاء فقط في ميدان المعركة، لكن الابتلاء قد لا يأتي هيئة عدو ذي فئة كثيرة كجيش جالوت، وإنما قد يأتي فقط على هيئة شربة ماء، ولا يثبت عند ذلك إلا قليل.

تاريخ النشر 02-08-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة