رأيتُ كُتّابنا على امتداد العالم العربي أربعة صنوف: كاتب عرف الحق فكتمه جبنًا وعجزًا، وكاتب عرف الحق ونطق به ولكنه جهل طريق السياسة والحكمة في دعوته فهجم على الناس فأزعجها عما يكتب ونفّرها مما يقول، وكاتب لا يعرف حقًا ولا باطلًا فهو متخبط في خطابه ومقاله كحاطب ليل، يدعو إلى الشر والخير والباطل والحق والنافع والضار. وكاتب عرف الحق ودعا الأمة إلى الباطل وأحسب أن هذا حال أغلب كُتّابنا العرب وهم بالمناسبة أخبث الأربعة السابقين لأنهم أعداء الأمة في ثوب الصديق أوردوا أمتهم إلى الهلاك والتلف باسم الهداية والإصلاح.
فكيف بالله عليكم ستستفيد الأمة رشدها وهدايتها؟ وكيف ستصبح أمة لها مكانها على خريطة الناس وهؤلاء هم مثقفوها وكتابها وقادتها إلى عصور التنوير والديمقراطية التي يتفننون في سحقها وسحق كل من ينادي بها جهرًا وعلانية؟
إن الكاتب ليبذل دمه وجهده ووقته وأعصابه وكل خلية من خلاياه صيانة لعقيدته وفكره ومبادئه التي ينتخي لها، ولا يبذل كل ما سبق صيانةً لدمه، لأنه لو فعل، فإن هذا شيء معيب وعار لا يرتضيه الكاتب الحر الشريف لنفسه.
من يكتب أيها الإخوة ويؤمن بما يكتبه هو أحوج الناس إلى العزيمة الثابتة الراسخة، والقلب الصابر على احتمال المصائب والبلايا التي سيلاقيها في سبيل دعوته ومنهجه حتى يبلغ غايته التي يريد وهي غاية الحق والخير والجمال لجميع البشر أو يهلك في سبيل ذلك.
الكاتب الصادق كما أنتم يا إخواني لا يبالي أن يسميه الناس خائن أو جاهل، أو زنديق، أو ملحد، أو ضال، أو كافر، لأن ذلك هو الذي ينبغي أن يكون.
الكاتب الصادق يا إخواني يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وآله عاش عند أعدائه كذابًا ساحرًا فلما مات مات سيد المرسلين، وأن الحسين عليه السلام شارك أقوامٌ في قتله فلما فصلوا رأسه الشريف عن جسده الطاهر بكوا عليه.
الكاتب الصادق الواعي يعرف ذلك، فإياكم يا إخواني أن تحيدوا عن طريقكم الشائكة التي اخترتموها لأنفسكم وحذار من وسوسة الشيطان الذي ما انفك يوسوس للعاجزين الجاهلين من " كُتّاب ومثقفي العرب " فأسكت ألسنتهم عن قول الحق، وحبس أرواحهم عن الانطلاق في سبيل الإرشاد والهداية، فأصبحوا لا وظيفة لهم إلا تكرار ما يقوله الفاسدون المفسدون المتاجرين بدماء شعوب المنطقة وتلك هي عقيدتهم.
إياكم يا إخواني من الفتور وضعف الهمة بسبب كثرة الباطل وانعدام الرؤية وضبابية الموقف. فإن أهل الحق دائما قلة " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " واعلموا أن من المحال أن يهدم صرح الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد عديدون في عصور متعددة، فالأول يهزه هزة تفرق حجارته ثم ينقض الثاني منه حجرًا والثالث حجرًا آخر .. وهكذا حتى يزيلوه تمامًا عن موضعه.
عندما تكتبون اجعلوا ملء صدوركم وقلوبكم الطاهرة وضمائركم النقية صور الناس وهم يُذبحون أجسادهم، أشلاءهم، دماءهم، جراحهم النازفات، تذكروا أنكم لا تملكون إلا أقلامكم، ويا لعظمة أقلامكم!
اجعلوا يا إخواني وأخواتي لكل حال رد جاهز، ولكل مقام باطل مقال حق يصدعه ويهزه وينشر زيفه وبهتانه أمام العالمين " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق" .
اجعلوا أقلامكم صبرًا عند البلاء، وشكرًا عند النعمة، ولقد شُتم أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر ألف شهر فما شككتم بوصيته، فكيف سترتابون اليوم بصدق طريقكم، وعدالة قضيتكم، وعظمة أقلامكم ودورها في المعركة؟
واعلموا أن شعب فلسطين الحزين المذبوح أحوج إليكم من الشعوب الغارقة في شهواتها، وإلى حكامهم الذين يصلون في محراب الأمريكي والصهيوني يوميًا أكثر من عدد الصلوات التي أمر بها الرب المتعالي.
إخواني..
اجعلوا نصب أعينكم عقيدتكم الراسخة تلوذون بها وتستريحون في أعطاف جنانها كلما ضاق ذرعكم ورأيتم مصائب فلسطين.
أدعو الله أن يرزقنا الحشر في زمرة من أحببناه، ويرزقنا شفاعة من توليناه، إذا دُعي كل أناس بإمامهم، وسيق كل فريق تحت لوائهم إنه سميع قريب.



