(27 رجب) ذكرى بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم. كانت هذه الليلة الفارِقة إيذانًا بانطلاق الرّسالة الخاتمة التي أتت لتنزع الأغلال عن أعناق البشريّة، ولتخرجهم من ذُلّ الاستعباد إلى عزّة العبودية لله وحده.
عظمة البعثة النبويّة ليست فقط في أنّها أتت لتطهير عقيدة التوحيد من شوائب الشرك التي تراكمت على مر القرون. وإنّما في أنها أتت لتشكيل إنسان من طراز خاص، إنسان عزيز بكل ما تحمله الكلمة من معنى. عزّة لا تنبع من أي معطيات خارجية، وإنّما تنبع من الإيمان بأنّ الله دائمًا في صفّ جنوده المؤمنين به.
عزّة المسلم مستمدّة من أن ربّه ربّ العزّة، ونبيه نبيّ العزّة، والمنتمي إليهما فكيف لا يكون عزيزًا؟ كيف وقد قال الله عز وجل في كتابه: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" (المنافقون: 8)، أي أن الإيمان والذِّلة لا يجتمِعان في قلب واحد، ومن يرضى بأن تذِل رقبته للطغاة والمستكبرين فقد خاطر بدنياه وآخرته.
ثمرة العزّة المحمديّة هي أن الإنسان الذي يُصنع على هذا الطِّراز لا يُبالي من أيّده أو عارضه ما دام الحقّ معه. لسان حاله دائمًا في مواجهة أهل الباطِل: "والله لو لقيتهم فردًا وهم ملْء الأرض ما باليت ولا استوحشت". يرى العزّة في بريق دروع داود، في ظلمة سجن يوسف، وفي انهمار دم الحسين، عليهم جميعًا السلام. فالحُر حرٌ في كلّ أحواله.
هذه الشجرة التي بذرتها العزة لا بُد أن تثمر كرامةً وإباءً في كل حين. وربّما ليس هناك دليلٌ أقوى على ذلِك من أننا اليوم نرى أقوى المستكبرين وأكثرهم إجرامًا وتسلطًا يخشى مواجهة المؤمنين الذين تشرّبوا عزّة الإسلام، ويلجأ إلى الدسائس والمكائد، وينشر الأكاذيب. ومن ينظر إلى العالم اليوم شرقه وغربه، يعلم أن الوقفة العزيزة التي تقفها حركات المقاومة الإسلامية هي التي تمنع من أن يبتلع الصهاينة والأمريكان العالم .
في ذكرى بعثة النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، نستشعر المعنى الشامل لهدف نبوّته المتمثّل في إخراج البشرية من الظلمات إلى النور. إذ ليس المراد فقط ظلمات الكفر ونور الإيمان، بل أيضًا المراد إخراجنا من ظلمات المذلّة للمخلوقين والطاعة للمستكبرين، إلى نور العزّة المستمدّة من أنوار ربّ العالمين ومن سيّد المرسلين، الذي كان حقًّا نبيًا للعزّة ورسولًا للكرامة.



