إن ما تشهده شعوب المنطقة اليوم من حالة اللامبالاة والاستكانة، بينما المستكبر الأمريكي يهدد دولها ويعتدي على سيادتها هو ثمرة مخطط استعماري ممنهج لخلق "الإنسان المستقر"، ذلك الإنسان الذي تخلى عن القلق الوجودي ورضي بحالة الطمأنينة الزائفة والخنوع، وسمح بتسليط الظلم عليه من قبل المستعمر والطاغية معًا.
لقد أشرف المستعمِر وبالتواطؤ مع الحكام المستبدين على تنفيذ سياسات مُجحفة بحق الشعوب، عمادها التجهيل وكي الوعي وخلق هذا النموذج من الإنسان الذي فقد إنسانيته، واستعانوا في سبيل تمرير مخططاتهم الشيطانية بمثقفين مأجورين باعوا ضمائرهم، وبـ"رجال دين" أضحت الممالأة والارتزاق ديدنهم، فحرصوا على إذكاء روح الخنوع في أوصال الأمة عبر نقل الإجماع على وجوب طاعة "السلطان المتغلب"، وإجهاض أي رؤية تفتح الباب أمام تسويغ الثورة عليه، ثم نشر "ثقافة الصبر" على الطاغوت حتى لو جلد الظهور ونهب الثروات وفرّط في الأوطان والمقدسات، وهكذا نجح المستعمر في صناعة شعوب استقرت في عبوديتها الطوعية، فأصبحت لا تتحرك حين تُنتهك سيادتها، ولا تثور حين تُنهب ثرواتها، ولا تغضب حين تُهان كرامتها، بل صارت تقدس الواقع وتستسلم لليأس، حتى غدت أسوأ حالًا من الحيوانات التي تقاوم حين تُفصل عن قطيعها، فالفيل حين يقترب منه صائدوه يغرس أنيابه في شجرة ليكسرها، وكأنه يقول: خذوا أنيابي واتركوا لي حريتي، لكن لا مخلوق على وجه الأرض رضي بحالة الاستلاب وقدّس الواقع واليأس كالإنسان المستقر الذي صنعه المستعمر.
وعليه: فإن الشعور بالقلق لمصير الأمة وحمل هموم المستضعفين، هو نضال ضد الاستعمار ومقاومة ضد أن يتحول الواحد منا لإنسان مستقر يسلّم حريته وكرامته ليكون فريسة سهلة للمستكبرين، ويثبت أن الأمة لا تزال حية، وأن فيها من يرفض الذل والطغيان، وبهذا القلق وحده تسقط مخططات المستعمر، لأن الطاغية والمستكبر لا يحكمان بقوتهما، بل برضا الشعوب الطوعي بالعبودية، فإذا رفضت الشعوب الخضوع سقط كل جبروت المستكبرين.
- حسن ياسر عمر



