إنا له لناصحون!

اهتم القرآن الكريم هذا الاهتمام العظيم بوصف المنافقين بالتفصيل وفضحهم فضحًا مبينًا لكي يتعلم المجتمع المسلم كيف يحمي نفسه من الاختراقات المخابراتية للعدوّ. فأخطر الأعداء من يأتي في ثياب الصديق.

ومن أهم علامات المنافقين أنهم يبالغون في التأييد، ويتحمسون في مواقفهم حتى كأنهم "ملكيين أكثر من الملك" لكي يكتسبوا ثقة أبناء المجتمع. هذه العلامة على درجة عالية من الخطورة والخبث، إلى حدّ أن القرآن الكريم افتتح سورة المنافقون مسجلًا لها، إذ يقول تعالى: "إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ" ﴿المنافقون: ١﴾

فلننظر كيف يختلف خطابهم للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الشهادة المطلوبة من المسلم. فبينما لا يُطلب منّا سوى عبارة خبرية بسيطة (أشهد أن محمدًا رسول الله)، يأتي المنافقون بشهادة ذات توكيدٍ مضاعف بإن واللام (نشهد إنك لرسول الله). بمثل هذه الأساليب الملتوية يخدعون المجتمع، فهم يقولون ما يُرضي الرأي العام ويجتذبه لكي يكوّنوا قاعدة جماهيرية يستطيعون بعد ذلك تضليلها، اكتساب الاحترام والقبول لدى المجتمع مقدّمة للحرب النفسية.

هذا التوكيد المضاعف يماثل أسلوب إخوة يوسف إذ تآمروا على قتل أخيهم فقالوا ليعقوب عليه السلام "مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ" (يوسف: 11). هذا التطابق بين "إنك لرسول الله"، و "إنا له لناصحون" ينبغي أن يلفت نظرنا إلى حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن المنافقين يأتون في ثياب الناصحين.

هناك حسابات في الآونة الأخيرة تستغل المزاج بين المجتمع الموالي للمقـ..//ومة بنفس الأسلوب الذي حذر منه القرآن، يثيرون قضايا تاريخية وفقهية بأسلوب سردي شيق ومتناغم مع رؤية مدرسة أهل البيت. يتحدثون عن مسائل فقهية مختلف فيها بين مذاهب المسلمين وينتصرون لمدرسة أهل البيت بأدلة قوية، يناصرون المقـ..//ومة بأشد العبارات ويحللون الأحداث من منظور ديني متناغم مع خطاب الجمهورية الإسلامية وأنصارها. هذه الأمور في حد ذاتها ليست سيئة، لكن بين الفينة والأخرى تصدر عن هذه الحسابات منشورات عليها علامات استفهام، فيشككون في بعض المرجعيات الكِبار أو يقدّمون النصيحة لهم، أو يلمزون بعض القيادات من خلال تقديم "قراءة استراتيجية" يزعمون أنها أفضل مما يطرحه القادة، ثم بعد ذلك يعود هؤلاء إلى أسلوبهم الأول.

قد يظن بعض المتابعين أن المنشورات الغريبة هي "سقطة" أو "سوء تقدير" فيردّون عليها ناصحين وموضحين، لكنّهم لا يضعون في اعتبارهم أن تلك الرسائل مقصودة وتأتي في توقيت مدروس، وأن كل المنشورات الأخرى السليمة التي تأتي من هذه الحسابات ليست سوى تمويه. في سورة المنافقون أيضًا يخبرنا الله عز وجلّ أنهم يقدمون النصيحة المنحرفة تحت غطاء ديني، إذ يقول تعالى: "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا". فهؤلاء تظاهروا في إحدى الغزوات بتقديم النصيحة المخلصة للمسلمين، فقالوا لهم لا تعطوا الأعراب أي أموال لأنهم ليسوا صادقين في تجمعهم حول النبي. ولكن الهدف الحقيقي من تلك النصيحة كان صرف الأعراب عن الإسلام لكيلا يقوى جيش المسلمين بهم.

مثل هذه "النصائح" تظهر اليوم أيضًا على مواقع التواصل. وليست المشكلة فيها أنها نصائح جيدة أو رديئة، وإنما المشكلة الحقيقية هي الاجتراء على تقديم النصيحة من الأساس. المنافقون لا يستوعبون معنى الولاية فيناقشون الأحداث كأنّهم أحكم وأذكى وأعلم من القادة والسادة، وأنه لو استمعت المقـ..//ومة لرأيهم لحققت النصر الأكيد! ينشط هؤلاء في أوقات الشدة ليبثوا الشكوك بهذه الطريقة، أما المؤمنين فسمتهم في وقت الفتن وفي كل وقت هي الثقة والتسليم والاتباع على بصيرة.. هي الولاية.

في ثلاث كلمات أعطانا القرآن الكريم نورًا يكشف المنافقين. فإن وجدت أحدًا كائنًا من كان يخاطب المجـ..//هدين بأسلوب "إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ" ، فاعرف أنك مأمورٌ بالحذر منه.

تاريخ النشر 07-03-2026