لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. هذه قاعدة راسخة يؤكد عليها الشرع الحنيف مهما كان حق هذا المخلوق وأفضاله على الإنسان. فحتى الوالدين اللذين قرن الرسول صلى الله عليه وآله رضاهما برضا الله فقال "رضا الله من رضا الوالدين"، لا يجوز إطاعتهما فيما يسخط الله، كما يقول تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا" ﴿العنكبوت: ٨﴾، هذا مع الفضل العظيم للوالدين الذي لا يمكن أن يسدّده الإنسان مهما فعل، فكيف الحال مع من دونهما؟
في قصة نبي الله موسى عليه السلام الكثير من العبر حول هذا الموضوع، فهو لم ينتفع من نظام فرعون فقط، بل تربى في القصر وتنعّم برغد العيش المتوفّر فيه سنين طويلة، وبهذا امتنّ عليه فرعون فقال "أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ" ﴿الشعراء: ١٨﴾. أي أنت صنيع إحساننا، فكيف تأتي الآن لتنتقد معاملتنا لبني إسرائيل؟
فكانت إجابة موسى عليه السلام هي أن النِّعَم التي استفاد منها خلال سنوات نشأته لا تكافئ استعباد بني إسرائيل، ولا تسوّغ السكوت على الاستكبار: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ" ﴿الشعراء: ٢٢﴾.
في هذه المواجهة تنكشف أهم خصائص المستكبرين، وهي أنهم دائمًا ما يمنّون على الآخرين بإحسانهم ليسكتوهم (ألم نعطك؟ ألم نكرمك؟ ألم نفعل كذا وكذا)، وقد أكد القرآن أن الصدقات المغرضة ليس لها وزن ولا قيمة، كما في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ".
طالما اتهم أولياء الله بجحود نعمة المستكبرين كما اتهم موسى عليه السلام، ولكنهم يثبتون على ولائهم للحق ولا يلتفتون أصلًا إلى هذا المنّ. فالجحود ليس قبيحًا عند مواجهة الباطل، بل إن هذا الجحود في حقيقته هو عين الوفاء والامتنان لمالك خزائن السماوات الأرض، الذي هو المالك الحقيقي لكلّ النِّعم، والذي هو وحده الجدير بالطاعة.
***
حقُّ اللّٰه لا يُعلى فوقَه بحقِّ خلقه مُطلقًا، ومتى اصطدم الإثنان قُدِّم الأوّل، ومتى استُغلَّ الثّاني لإعلاء باطل استحقّ الجحُود بلا تردُّدٍ فيه، فالحقُّ لا يُؤخّر لأجلِ مفاهيم فضفاضةٍ كالوطنيّة، ولا لأجلِ علاقاتٍ "اشتراطيّة" تشترطُ الانبطاح.
***
(لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)



