ولاية الحق وولاية السيف

ولاية الحق وولاية السيف

ورد في الحديث الشريف المجمع عليه بين المسلمين أن هذا الدين لا يزال عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش. واختلفت المذاهب في تعيين الأشخاص المقصودين، لكن الثابت هو أن هناك خطين كان لهما الحاكمية على هذه الأمة عبر تاريخها، ولا سيما في القرون المبكّرة. الخط الأول هو خط الخلافة، الذي تنقّل فيه الحُكم بطرق متعددة أكثرها شيوعًا التغلّب بالسيف وارتكاب المذابح في حق المخالفين بما فيهم عترة النبي صلى الله عليه وآله. هذا الخط لم يقدم تفسيرًا مقنعًا لحديث الاثني عشر خليفة، رغم أنه ثابت في الكتب المعتمدة عند أصحابه.

أما الخط الثاني فهو خط الإمامة، الذي انتقل فيه مشعل الهُدى من إمام إلى إمام دون منازعة ولا سفك للدماء. كلهم مُجمَع على علوّ مقامهم في العلم والعبادة والحكمة، حتى بين من لا يرون أحقيتهم بالحُكم، حتى وصل هذا المسار إلى غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه، وبهؤلاء الأئمة يكتمل الخلفاء الاثني عشر كما أخبر سيد الخلق صلى الله عليه وآله.

هذان الخطان لا يمثّلان فقط القرون الأولى من التاريخ الإسلامي، بل هما في الحقيقة صورة مصغرة لتاريخ البشرية، حيث يتضح الفارق بين الجهد البشري المحدود الذي إن صلح حينًا فإنه سرعان من يتجه نحو الفساد ويتعثر وينتكس، وبين الهدى المسدد إلهيًا والذي يكفل للبشرية سعادتها ويحقق لها ما ترجوه من خير الدنيا والآخرة.

ويكفي فقط لكي يتضح الفارق بين الخطّين أن نتذكر كيف أن الحسنين سبطي الرسول صلى الله عليه وآله وسيدي شباب أهل الجنة، وعلي بن الحسين الملقب بزين العابدين لشدة عبادته، ومحمد بن علي الملقب بالباقر لأنه نال علوم الأولين والآخرين، كل هؤلاء عليهم السلام سمعوا بآذانهم سبّ أبيهم علي بن أبي طالب (ع) على المنابر، فلم يقابلوا ذلك إلا بالحِلم والصبر الجميل والإصلاح في أمة جدّهم صلى الله عليه وآله. فشتان بين أئمة الهدى وأولياء الله في جانب، وبين أولياء السيف والملك العضوض في جانب آخر.

وبعد أن أقيمت الحُجّة على الأمة لعدة قرون، واتضح الرشد من الغي بهذه النماذج على الخطّين، جاءت الغيبة لتلقي على عاتق الأمة مسؤولية شق طريقها والارتقاء من أجل نيل الاستحقاق الإلهي، حين يعود الإمام المهدي (عج) ليملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت ظلمًا وجورا.

وظلّت الأمة تتخبّط لقرون باحثة عن مخرج من الفتن المظلمة التي أحاطت بها من كُل جانب. هناك من انكفأ على ذاته وركن إلى الانتظار السلبي للمهدي (عج)، وهناك من نفض يديه عن الحلول الدينية بالمطلق واتبع نظريات مستوردة من الغرب، وكانت نتيجة هذه التجارب أنها عجزت عن بناء النهضة المنشودة، فتفرّقت الأمة شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وسقطت تحت سنابك الغزاة من المغول حتى الأمريكان.

كان ذلك هو الوضع السائد حتى أتى الإمام الخميني (قده) ليقدّم نموذجًا ربانيًا هو الأقدر على إعادة الأمة إلى المسار الصحيح في عصر الغيبة، ألا وهو نموذج "ولاية الفقيه"، الذي ربما لا يوجد مصطلح تعرّض لحملات من الشيطنة والتشويه مثله، والذي لا يعني سوى أن تسلّم الأمّة دفتها إلى قيادة محيطة بجميع أحكام العلم الشرعي، ومشهود لها بالكفاءة والعدالة. في ظل ولاية الفقيه لا يُسمح لمستكبر أن يستأثر بثروات الأمة دون أهلها، ولا لمحتل أن يستعبد شعوبًا أعزها الله بالإسلام.

ليست نظرية ولاية الفقيه من ابتكارات الإمام الخميني، وإنما هي عودة إلى الذات، إلى الإسلام المحمدي الأصيل الذي يدعو لإسناد الأمر إلى أهله. فعندما لا يوجد نبي أو وصيّ نبي ليقود الأمة، فالمسؤولية حتمًا منوطة بورثة الأنبياء، أي العلماء، أن يكملوا هذه المسيرة. ولكن النجاح الأكبر للمستكبرين كان تغييب هذه الفكرة. يقول الإمام في كتابه (الحكومة الإسلامية): "ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة، قد لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام، أحكامًا وعقائد، يرى بداهتها. ولكن وضع المجتمع الإسلامي، ووضع مجامعنا العلمية على وجه الخصوص، يضع هذا الموضوع بعيدًا عن الأذهان، حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى البرهان."

وقد أتت أحداث العقود الأخيرة ببراهين كثيرة تؤكد سقوط جميع النظريات ونماذج الحكم التي كان بعض أبناء الأمة يعلّقون عليها آمالهم، وعلى رأسها الديمقراطية الغربية. فهذا النظام الذي تم الترويج له كأنه غاية ما وصلت إليه البشرية هو الذي أوصل شخصًا شهوانيًا نرجسيًا أحمق مثل ترامب إلى أن يصبح رئيس أقوى دولة في العالم.

في ظل هذا النظام تنكشف فضائح أخلاقية بحجم ملفات إبستين التي تورط فيها كبار القوم، ويفلت المجرمون من العقاب. انقشعت أوهام هذه الحضارة الساقطة عن عيون الجميع، حتى إن قادتها بدأوا يعترفون بذلك مثلما فعل رئيس الوزراء الكندي في خطابه منذ أشهر قلائل. وبذلك اتضح أن الديمقراطية لم تكن سوى ستر رقيق يخدّر الجماهير لكيلا تفطن أنها محكومة بولاية السيف.

وسط هذه الانهيارات، تمثل ولاية الفقيه حلًا بديلًا (بتعبير الشهيــ...د فتحي الشقاقي) حيث يفقد السيف شرعيته، ويصبح الإخلاص لله عز وجل هو المعيار في اختيار القيادة. وقد أثبتت الحرب الأخيرة أن هذه الفكرة ليست مجرد إطارًا نظريًا، بل واقع عملي كفيل بتحقيق الاستقلال والتقدم وصناعة الانتصار ضد القوى العظمى، وبرغم الحصار الخانق والظروف الصعبة، ودون التفريط في الهوية.

ولأجل هذه النجاحات تآمرت قوى الأرض لكي تُفشل هذا المشروع، وهذا ينبغي أن يجعلنا ندرك قيمته، ونعرف أن المسألة حرب على الإسلام كلّه وليست حربًا ضد مذهب دون آخر. بهذه البصيرة كتب الشـهـ..يد ق. س. في وصيته وقال إن ولاية الفقيه هي الوصفة الوحيدة المنقذة لهذه الأمة، وأن على الجميع، سنة وشيعة، أن يتمسك بها "من أجل إنقاذ الإسلام، بعيدًا من أيّ نوع من أنواع الخلاف. هذه الخيمة هي خيمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وأساس العداء للجمهوريّة الإسلاميّة هدفه إحراق هذه الخيمة وتدميرها".

لم يعد هناك مخرج لهذه الأمة من مأزقها إلا بالتمسك بحبل الولاية الحقيقية، ولاية الله ورسوله والأئمة المهديين من ولده، صلوات الله عليهم أجمعين، ومن يقوم مقامهم من العلماء الربانيين، حتى يأتي ربّان السفينة المنتظر ليقود العالم إلى برّ الأمان.

تاريخ النشر 09-04-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة