لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ

من خصائص المؤمن أنه ليس سطحيًا ولا سمّاعًا لكل أحد. لا يُسارع بقبول الآراء دون تمحيصها وتمحيص قائليها. فحتى لو أتته المعلومة الصحيحة، فإنه يلفظها إن كان الراوي لها مجروح العدالة.

الشواهد على ذلك كثيرة من القرآن والسنّة. فإن المنافقين عندما جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وآله يشهدون بصدقه، نزل القرآن الكريم يكذّبهم فقال: "إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿المنافقون: ١﴾. ثم ضمّن السورة نماذج من سجلّ هؤلاء المنافقين في تدبير المكائد للمسلمين، بمعنى أن ماضي الشخص هو أحد معايير قبول الكلام منه، سواء كان هذا الكلام معلومة أو تحليلًا أو نصيحة.

وعندما فضح الله المنافقين وعتب على بعض المسلمين أنهم "سَمَّاعُونَ لَهُمْ" (التوبة: 47)، فإنه أعطانا مفتاح النجاة من هذه الصفة المذمومة، ألا وهي الانتباه لسوابق الأشخاص. فقال في الآية التالية: "لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ" (التوبة: 48)، بمعنى أن هؤلاء المنافقين لهم سوابق من إثارة الفتن، فأمثال هؤلاء لا يُسمع منهم وإلا سقط المؤمن في المحذور.

وقد كان أسلوب أمير المؤمنين في تطبيق هذا الأمر الإلهي نموذجيًا. فعندما ظُلِم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاءه أبو سفيان يعرض عليه النصيحة والنُّصرة، كان الردّ القاطع هو "إنّك واللّه ما أردت بهذا إلّا الفتنة، وإنّك طالما بغيت الإسلام شرّا، لا حاجة لنا في نصيحتك". فالموقف نفسه سليم عندما يأتي من أمثال عمّار بن ياسر وأبو ذر، لكنّه غير مقبول إذا أتى من شخص غير محمود السيرة.

خطورة السطحية في قبول التحليلات والنصائح هي أنّها مدخل للطواغيت كي يعموا بصيرة المؤمن. عندما رُفعت المصاحف في صفِّين، لم يسقط الجهّال ولا الضعفاء، وإنّما سقط السّطحيّون من قرّاء الكوفة، الذين كانوا كثيري العبادة والتلاوة لكتاب الله. سقطوا لأنهم "يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، أي قراءتهم قراءة سطحية تنظر إلى الظواهر فقط.

هناك بون شاسع بين القراءة السطحية والعميقة. نظرة الخوارج السطحية دعتهم إلى قبول التحكيم دون النّظر في أصحاب هذه الدعوة، أما نظرة الإمام العميقة فاستندت إلى ماضي هؤلاء الأشخاص ومعرفته بهم، فقال إنهم: "ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال". وهذا هو المنهج القويم في غربلة الآراء.

في هذه الحرب، بعض الجمهور المخلص في حب المقـ../ومة يتفاعل ويعيد نشر الأقوال دون النظر في قائليها وماضيهم، وهذا من الأخطار العظيمة التي تفوق نشر سرديات العدو نفسه. عندما تعيد نشر رأي (مهما كان سليمًا) من حساب منافق أو مذبذب أو مرجف، فإنك تعطيه انتشارًا وتكسب صاحب الحساب شرعية وقبولًا لدى متابعيك الذين يثقون فيك. المنافقون يستغلّون السطحيّين بهذه الطريقة، ينشرون تحليلات قوية في دعم المقـ../ومة عندما تكون الكرّة لها ليبنوا قاعدة جماهيرية بين المؤيدين، وعندما تنقلب الأوضاع، سرعان ما يبثّون سمومهم ونفاقهم بشكل خبيث لا يفطن له إلا من عرف هذه الألاعيب.

قد يرد البعض بأن مشاركة تلك الآراء هي من قبيل (لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال)، وهذا رأي سطحي وأضراره كبيرة كما نرى الآن. فقد رأينا حسابات منافقة الأيام الماضية تؤيد المحور بكل قوة وحماسة وتهلّل لمشاهد الصواريخ والمسيّرات، حتى إذا ثارت الشكوك حول قضية الهدنة، عاد هؤلاء لسيرتهم القديمة وحظيت تغريداتهم التشكيكية بانتشار أوسع، وذلك لأن تغريدات التأييد كان هدفها اختراق جمهور المقـ../ومة، ولم تكن عن مبدأ ثابت.

هذه الفترة هي فترة غربلة، فحكمة الله عز وجلّ قضت أنّه لا بد أن يميز الطيب من الخبيث. فإن لم تكن من المُغربِلين (بكسر الباء) الذين يلتزمون بمنهج القرآن في التفكّر والتحقق قبل مشاركة أي رأي، فماذا يدريك أنّك لن تكون من المغربَلين (بفتح الباء) الذين يسقطون في هذا الامتحان؟

تاريخ النشر 09-04-2026