إن عادوا فعُد

من أكثر المشاهد إيلامًا في فيلم الرسالة لمصطفى العقاد، مشهد تعذيب آل ياسر، وإكراه الصحابي الجليل عمار بن ياسر على أن يذكر آلهة قريش بخير فقالها مرغمًا "هبل.. هبل".

والقصّة كما وردت في السيرة هي أن قريشًا أرادت عمّارًا أن يسبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم. ولم تتركه حتى فعل، فلما أتى النبي صلى الله عليه وآله قال: ما وراءك؟ قال: شرٌ يا رسول الله، وحكى ما فعل. فقال النبي صلى الله عليه وآله لعمّار: "فكيفَ تجدُ قلبكَ؟ قال: مطمئنّا بالإيمانِ، فقال النبي: "فإن عادوا فعُدْ". أي سُبّني لو طلبوا منك ذلك مجددًا ولا بأس عليك. وهذا هو سبب نزول قوله تعالى: "إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان" (النحل: ١٠٦﴾‏.

إجابة الرسول الأعظم تخبرنا عن الفارق بين هشاشة الطواغيت في كل عصر، وبين القوة والطمأنينة لدى أئمة العدل؛ حيث إن المستكبرين يظنون أن إكراههم للبعض على تبنّي مواقفهم بشكل ظاهري يعني أن الأمور قد استقامت لهم. وفي المقابل، لا يمارس القادة الربانيين مثل هذا الإكراه، بل شعارهم هو قول نوح عليه السلام: "أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ" ‎﴿هود: ٢٨﴾‏. وحركة التاريخ تثبت أن الاتجاه الأول سريع الفناء، بينما الثاني يظل راسخًا عبر الأجيال والقرون.

هذا الفارق بين الاتجاهين أوجزه الإمام الكاظم عليه السلام في بضع كلمات خالدة، عندما قال لهارون الرشيد: "أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم"، أي سلطانك لا يتجاوز القشور، لذلك فهو زائل. أما سُلطاني فلا يزول ولو زالت الجبال، لأن محلّه القلوب. وسُجن الإمام الكاظم عليه السلام بعد ذلك وتوفي في حبسه، ولكن سلطانه لا يزال يملأ القلوب، ومصابه تبكيه العيون إلى اليوم، أما الرشيد فكأن ملكه لم يكُن. "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" ﴿الرعد: ١٧﴾‏

قال عمّار الكلمة التي أرادها المستكبرون، فلم تضرّه شيئًا ولم تنفعهم شيئًا، بل إن العكس هو الذي حدث، ازداد عمّار على مدى الأيام شرفًا وإيمانًا، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: "ملئ عمّارٌ إيمانًا إلى مُشاشه" (أي إلى رؤوس عظامه، كناية عن أن الإيمان خالط كل كيانه)، وظل ثابتًا وفيًا لأمير المؤمنين عليه السلام حتى استشهــ.د مقاتلًا إلى جانبه في معركة صفّين وعمره يجاوز التسعين.

أما قُريش التي عذّبته، فقد انهزمت وخضعت لجيش الفتح الذي كان عمّار أحد أهم جنوده، وصاروا طلقاءَ النبي الذي كانوا يجبرون أصحابه على سبّه بالأمس القريب. وهكذا فأصحاب النفوس العمّارية المطمئنّة هم المنتصرون في نهاية المطاف، مهما بدا أن الغلبة لسيف الاستكبار.

تاريخ النشر 13-05-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة