انتشرت على مواقع التواصل خلال موسم الحج الحالي والماضي صورٌ لحشود الحجاج الغفيرة، ومعها تعليق يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله يقول "ومن سيُصدِّقُني يا خديجة؟" وشارك الناس هذه المنشورات بحُسن نيّة لأنها تُعبّر عن نموّ أمة الإسلام من جوهر فرد هو الرسول صلى الله عليه وآله، إلى ما لا يُحصى عدده من البشر الذين يجتمعون بمئات الألوف كل عام لإحياء شعيرة الحج في مشهد منقطع النظير.
المشكلة تكمن في أن هذا الحديث مكذوب وليس له أصل عند الفريقين، بل وفيه إساءة كبيرة لمقام النبي صلى الله عليه وآله وللنبوّة، وحاشاه أن يقول مثل هذا الكلام أبدًا.
ولكن بغضّ النظر عن مدى صحة هذا الحديث بالذات، هناك مجموعة من الروايات الشائعة توحي في مجملها أن مسألة الوحي كانت صادمة للنبي صلى الله عليه وآله، وأنها أتت من دون تمهيد حتى ذُهِل عندما رأى جبريل عليه السلام لأول مرة، وعاد مرتجفًا إلى بيته، واحتاج شخصًا من أهل الكتاب يخبره أن ذلك وحي، وأمثال ذلك.
لكن مدرسة أهل البيت تقدّم تصوّرًا آخر أكثر تماسكًا وأكثر حِفظًا للمقام السامي للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وهو تصور يجعل أصحابه يُنكرون ويرفضون أن يثبتوا للنبي صلى الله عليه وآله أي مرتبة دون الذروة القصوى في كل الكمالات، بما يليق مع كونه ليس أفضل البشر وحسب، بل أفضل ما خلق الله مطلقًا، كما في قول الإمام علي عليه السلام: "مَا بَرَأَ اللَّه نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله".
تصوّر العِترة، المنقول بالأساس عن علي عليه السلام الذي كان أشد الناس لصوقًا بالنبي صلى الله عليه وآله طيلة حياته، هو أن مبدء البعثة الشريفة عند سن الأربعين لم يكن حدثًا مفاجئًا، وإنما كان بمثابة انتهاء مرحلة طويلة من التأهيل الأخلاقي والنفسي والروحي، وهذه المرحلة بدأت منذ الطفولة. يقول أمير المؤمنين عليه السلام واصفًا ذلك: "ولقد قرن اللّه به صلّى اللّه عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره"، وكذلك قال عليه السلام أنهما صليا معًا قبل البعثة ثلاث سنين أو سبع سنين، أي أن النبي صلى الله عليه وآله كان مطلعًا على بعض الغيوب وله اتصال معين بعالم الملكوت.
وفي مصادر الفريقين معًا، أن بعض الأحجار والأشجار كان يسلّم عليه بمكة قبل أن يُبعث، فلا يمكن الجمع بين هذه الروايات وبين تلك التي تجعل النبي صلى الله عليه وآله حائرًا عند نزول الوحي، حاشاه. ولذلك انتقد العلامة الطباطبائي في تفسيره لسورة العلق بعض تلك الروايات وفنّدها، ثم قال: "والحق أن وحي النبوة والرسالة يلازم اليقين من النبي والرسول بكونه من الله تعالى"، فليس يجوز على مقامه الشريف أن يُنسب إليه الشك أو التردد ولو لحظة.
هذا التصوّر غائب للأسف عند بعض المسلمين، ولذلك لا يقدّرونه حقّ قدره صلى الله عليه وآله، وكم أجاد البوصيري في وصفه فقال:
وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ... وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ... حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ



