إحياء الشعائر الحسينية في ليالي المحرّم ويوم عاشوراء، والمسيرات الحاشدة في أقطار العالم الإسلامي، والتجمع المليونيّ في الأربعين بكربلاء، الذي يُعد من أكبر التجمّعات الدينية على وجه الأرض، إن لم يكن أكبرها، هذا الإحياء في قوته وعنفوانه هو مسألة مصيرية في الحفاظ على خطّ الولاية للنبي وأهل بيته صلوات الله عليهم.
الولاية فعلٌ مستَمِرّ. لا يكفي أن يسمّي الفرد أو المجتمع نفسه مواليًا ليصبح محصّنًا من الفتن والسقوط والانحراف، وإنّما لا بد أن تكون حالة هذا الفرد أو المجتمع هي "الاستمساك"، أي الأخذ والإمساك بشدّة وحزم، فقد يحدث الضياع والسقوط المقامات العالية إلى أسفل سافلين في الجيل الواحد، أو بين الجيل والجيل.
في حالة زياد ابن أبيه مثلًا، نجد أن السقوط قد يحدث للخواص في بضع سنين، فهذا الشخص الذي كان واليًا لأمير المؤمنين عليه السلام ومن خواص أهل الحق، أقبل على الدّنيا عندما لاحت له بارقة منها وأصبح من خواصّ أهل الباطل، وتحوّل إلى أحد أكثر الوُلاة سفكًا للدِّماء وتعذيبًا للمسلمين.
وفي حالة سعد بن أبي وقاص وابنه، نرى كيف يحدث الهبوط بين جيل وآخر. فسعد الذي كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن الرواة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله للأحاديث الكبرى في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام كحديث المنزلة وحديث الغدير وغيرهما، تطاول عليه الأمد فاعتزل القتال ورفض أن يُبايِع علي عليه السلام لضغائن قديمة. ثم كانت نتيجة ترك هذه الراية أن نشأ ابنه عُمر ليصبح في مقدّمة الجيش الذي سيرتكب المذبحة العظمى في كربَلاء، بل سيكون أول من يرمي أهل بيت النبوة بسهمه ويُشهد الناس على ذلك فيقول: اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمَى".
لأجل هذا المعنى كان أئمة أهل البيت عليه السلام يؤكدون على ضرورة إحياء الشعائر الحسينية، مثل قول الإمام الصادق عليه السلام: "أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا" والأحاديث الكثيرة في فضل زيارة الحسين عليه السلام وإبداء الحزن والأسى على ما حل به وأهل بيته وأصحابه الأطهار، لأن هذا الإحياء هو بمثابة إعلان لتجديد البيعة لهذا النهج الحسيني المحمديّ، وتحصين سنوي للمجتمع من الانحراف، بحيث يتم اقتلاع بذور الانحراف قبل أن تضرِب بجذورها في الأرض ويصعب اقتلاعها. وتظل بذلك السهام مسدّدة نحو الباطل وأهله.
إحياء عاشوراء هو في حقيقته إحياء للنّفس، ينفض عنها غبار السنة الماضية، ويعيد جذوة الإيمان إلى اتّقادِها وتوهجها، يحضرها الصغار ليشبّوا عليها، والكبار ليهرَموا عليها، فتنتقل الراية من جيلٍ إلى جيل وهي مرفوعة شامخة، تحمل بصمات الملايين الذين استمسكوا بها عبر القرون، ولم يطُل عليهم الأمد فتقسو قلوبهم.



