An Ummah that heard [what happened to you], and accepted it
أُمَّةً سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَرَضِيَتْ بِه

من مهلكات النفس الإنسانية أنها مسارعة في قبول العذر لنفسها. فحتى الذين يقعون في أكبر الجرائم، قد يجدون لأنفسهم العُذر بأنهم أبرياء ما لم يشارِكوا بأنفسهم في الشق الأفظع من الجريمة.

عندما عبد بنو إسرائيل العجل الذهبي، وعاد موسى عليه السلام إليهم غاضبًا ليواجههم بفعلتهم، كان أول ما قالوه هو "مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ" ‎﴿طه: ٨٧﴾‏، أي أننا لم نتعمّد الكُفر، والتبعة كلّها على السامريّ لأنه هو من صنع العجل. فكأن كل إنسان منهم كان يحدث نفسه ببراءتها، ويقول: "على الأقل لم أصنع العجل بنفسي ولست كالسامريّ، وإنما أنا واحد من القوم".

إبراء النّفس على طريقة بني إسرائيل تكرر في يوم عاشوراء، عندما صار الحسين عليه السلام مثخنًا بالجِرَاح، وأصبح جسده كالقنفذ من كثرة السهام، ظلّ أفراد جيش الكوفة يتفادون توجيه الضربة الأخيرة وكلّهم يخشى أن يلقى الله بدمه. كأنّهم لا يرون أنهم مذنبون إلا لو قتلوه بأيديهم، أما لو شاركوا في الجيش وحاصروه بسيوفهم ورموه بسهام لم تقتله مباشرة، فلا بأس عليهم.

بتلك الأعذار الواهية قد يظن الإنسان أنه في مأمن وهو هالك، متجاهلًا المعنى المتواتر بأن الإثم ليس لفاعله فقط، فقد يشترك في الفعل الواحد ألوفٌ مؤلفة لم يشهدوا الفعل أصلًا. وهكذا فسّر أمير المؤمنين علّة الجمع في الآية الكريمة: "فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ" ‎﴿الشعراء: ١٥٧﴾‏، فقال: "أيّها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنما عقر ناقة ثمود رجلٌ واحد فعمّهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرّضا".

ومن هنا تأتي أهمية تذكير الأمة بهذا المعنى من خلال زيارة الحسين عليه السلام التي يُقال فيها: "لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به". فهذه العبارات التي قد تكون صادمة، لا تتعلّق فقط بمقتل الحسين كواقعة تاريخية انتهت ومضى المسؤولون عنها، وإنما تذكّرنا بخطورة موقفنا إزاء كل المظلوميّات المحيطة بنا، فكم من مبرئ لنفسه راضٍ عنها، وهو كهؤلاء الأشقياء الذين يتورّعون عن توجيه الضربة الأخيرة للحسين.

تاريخ النشر 03-07-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة