الدين الرسالي الذي أتى به الأنبياء يحتاج إلى عملية إعادة اكتشاف مستمرّة، فمفاهيم هذا الدين محل هجوم دائب من حزب الشيطان، الذي إن لم يستطع إخفاءَها، فإنه يحرّفها عن مواضعها، فيغير معناها الأصلي، أو يضيّق إطارها، أو يعطي الجماهير الإحساس الزائف بأنّها تفهمها ولا داعي لمزيد من البحث فيها.
ولعلّ ما حدث لمفهوم "الولاية" من أكبر الدلائل على ذلك. فهذا المفهوم قد غُيِّب عن الوجدان المسلِم، حتى لدى قسم من المنتمين إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فصاروا يحصرون الولاية في دائرة أضيَق من إطارها الحقيقي.
عندما نقرأ في الزيارة: "أنا عارف بحقكم مستبصر بشأنكم معاد لأعدائكم موال لأوليائكم"، يظن فريقٌ ممن يسمّون أنفسهم موالين أن هذا يشير إلى زمان ومكان معيّن لا يتجاوزه. فلا مصداق للأعداء إلا يزيد وأعوانه، ولا مصداق للأولياء إلا أبي الفضل العباس وأصحاب الحسين عليهم السلام. وأصحاب هذه النظرة يعبرون عن استياء وسخط شديدين إذا تم إسقاط هذه الأحداث على مصاديق معاصرة لها، من قبيل المعركة الحالية ضد الاستكبار العالمي.
لكن المعنى المقصود من الولاية أوسع من ذلك، فالروايات عن أهل البيت عليهم السلام تؤكد أن معاركهم قد يحضرها أشخاص غير من وقفوا على أرض الميدان. فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى معاركه: "ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء"، أي أنه أعطى أشخاص في علم الغيب مقام من حضر صفين أو الجمل أو النهروان سواءً بسواء. والأحاديث كثيرة في أن هُناك أشخاص يُعطون ثواب من قاتل بين يدي المهدي عليه السلام دون أن يعيشوا ليشهدوا عصر الظهور.
يقدّم القرآن الكريم حركة التاريخ بوصفها معركة واحدة متواصلة بين جند الرحمن وجند الشيطان: "الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴿النساء: ٧٦﴾، فالدعوة الرسالية في جوهرها هي نداء إلى الانحياز لراية الحق التي حملها ألوف مؤلفة من الأولياء. وفي نفس الوقت، هي دعوة إلى أن يختار الإنسان موقعه في الجولة "الحالية" من تلك المعركة من خلال الارتباط مع أولياء الله في زمانه بعلاقة المحبة والنصرة والتأييد.
عندما يصر البعض أنه ليست هناك سوى كربلاء واحدة نذرف عليها الدموع، وليس هناك سوى حسين واحد نرثي مصابه، ولا مجال للمقارنة بأي حدث معاصر، فإن ذلك يعبّر عن خلل في فهم الولاية كمسؤولية متجددة.
من يقول هذا يخاف مما قد يعنيه أن هناك حسينًا في هذا الزمان يناديه: "هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا؟ هل من معينٍ يرجو ما عند الله في إعانتنا؟"، لأن ذلك الشخص يخشى ألا يجد نفسه بين الناصرين.
بهذا الفهم للولاية أطلق الإمام الخميني قدس سره شعار: "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"، لأن كربلاء جولة واحدة من صراع كبير لم يبدأ بقيام الحسين عليه السلام ولم ينته بشـ..هادته. راية كربلاء هي عصا موسى، هي مقلاع داود، هي سيف عليّ عليه وعليهم السلام، ولكل زمان كربلائه.
ما أسهل الآن أن توالي الأئمة الحسين والصادق والكاظم عليهم السلام وتلعن يزيد والمنصور والرشيد ببصيرة حديدية، لأن تلك الجولات انتهت وانقشع غبارها ولم يعد هُناك تضحيات تبذل، ولكن أين أنت من الجولة التي خلقك الله لتشهدها، هل أنت مستبصر في شأنها؟ هل أنت موالٍ لوليّ الله في زمانك ومعادٍ لطاغوت زمانك؟
هذا هو امتحان الولاية الذي كان الشهــ...يد الأقدس رضوان الله تعالى عليه يخبرنا أنه أصعب امتحان.



