Wilayah
الولاية

الحرب التي تُشن على الإسلام، عسكريًا وإعلاميًا وثقافيًا، ليست حربًا على الإسلام على إطلاقه، فهناك نُسخ من الإسلام لا يبالي بها المستعمرون والظالمون، بل ويعتبرونها نسخًا حليفة "معتدلة" ويرغّب فيها، وهي النسخ التي انتقصت أجزاء من بنيان الإسلام لإرضاء الأهواء. الحرب إذًا هي على نموذج معيّن من الإسلام حافظ على هذا البنيان مكتملًا غير مجتزء، فلم يرَ حزب الشيطان بدًا إلا أن يُعلن حربًا لكي يستأصل هذا النموذج. هذه كأنها قاعدة ثابتة؛ فعلامة نور الله هي أن يستنفر الظالمون لإطفائه.

إذًا، ما هي الميزة التي جعلت هناك إسلام "خطر" وآخر "آمن" بالنسبة لهؤلاء؟ الإجابة بكلمة واحدة: الولاية. هي كل القضية، وجوهر الدين.

يقول الإمام الباقر عليه السلام، تعبيرًا عن مركزية الولاية: "بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية، ولم يناد بشيء مثل ما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه يعني الولاية". ومع أن الإمام نفسه يعطي للولاية هذا القدر الكبير من الأهمية، ويؤكد أن الله عز وجل نادى بها أكثر من سائر أركان الإسلام، إلا أننا لا نجد لهذا المصطلح متداولًا ومعروفًا بالقدر الذي يستحقه لدى جمهور المسلمين، حتى إن بعض المنتمين إلى مدرسة أهل البيت ربما ينظرون إليه من منظور أضيق من المُراد به، فيرون مثلًا أنها محبة ونصرة المعصومين من أهل بيت النبوّة عليهم السلام دون غيرهم، ويحصرها في ذلك. هذا جزء من الولاية بلا شك، لكن المسألة أكبر بكثير.
 
الولاية باختصار هي الإقرار بأن الله هو المدبّر لكل الشؤون دون غيره، وبالتالي لا يجوز البحث عن وليّ سواه في أي مجال من مجالات الحياة الإنسانية صغيرها وكبيرها، "وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا" ‎﴿النساء: ٤٥﴾. فلا ينتمي الإنسان إلى قيادة لا تقوم بأمر الله، ولا يبحث عن تشريع أفضل من الشريعة الذي ارتضاها الله، ولا يرى أن هناك أي أفق مهما كان خارج عن هيمنة الدين.

الولاية في مسيرة الأنبياء والرسل

وبنظرة على تاريخ انحراف البشرية رغم أنها سارت في ظل حضور الأنبياء والأوصياء ردحًا طويلًا من الزمن، سنجد أن الأزمة دائمًا كان مصدرها رفض الولاية في جانب من جوانبها، والمصاديق المختلفة للانحراف ليست سوى فروع شتى نابعة من نفس الأصل.

على سبيل المثال، كان بعض انحرافات بني إسرائيل ناجمة عن رفضهم لولاية الله في ميدان العقيدة، فكان طلبهم من موسى عليه السلام: "قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة ‎﴿الأعراف: ١٣٨﴾‏ رغبة في محاكاة الأمم الأخرى التي تعبد الأصنام، ولهذا أيضًا عبدوا العجل حتى وهارون عليه السلام بين ظهرانيهم. ومثل هذا كفر قوم إبراهيم ونوح عليهما السلام، التعلّق بولاية الآباء والمعتقدات السائدة عوضًا عن ولاية الله عز وجل.

وبسبب رفض الولاية في ميدان السياسة داخليًا وخارجيًا، كان كفر قوم عاد. فقد أمرهم هود عليه السلام أن يتوقفوا أن يعبثوا بالثروات التي وهبها الله تعالى لهم حيث يقول: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ‎* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ‎* وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ" ‎﴿الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠﴾‏، وهي تساؤلات تستنكر عليهم إهدار الثروة بتشييد الأبنية الشاهقة للتفاخر بها، والتوقف عن الحروب الذي يتجبّرون فيها على الضعفاء، لكنّهم أصروا على نهجهم.

وبسبب رفض الولاية في ميدان الاقتصاد، جاء كفر قوم مدين بشعيب عليه السلام الذي طالبهم بأن يوفوا الكيل ويتوقفوا عن الغش التجاري، حيث يقول "أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" ‎﴿هود: ٨٥﴾‏، فاستنكروا كلامه وقالوا "يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ" ‎﴿هود: ٨٧﴾

وبسبب رفض الولاية في ميدان العلاقات الأسرية، كان كفر قوم لوط عليه السلام. فهكذا كان كل انحراف للأمم نابع من رفض لهيمنة الله عز وجل على أحد ميادين الحياة، وبالتالي اتخاذ وليّ آخر يُطاع ويُعبد من دون الله، تارة يتمثل في الأصنام، وتارة في المال، وتارة في الشهوات، الأعراض شتى والمرض واحد. وقضية التوحيد التي يخشاها الاستكبار هي هذا التوحيد الشامل، وليس مجرد التوحيد العقائدي.

تتلخّص إذًا دعوة الرسل في مفهوم الولاية بهذا المعنى الذي يسحق أهواء الإنسان في مقابل المشيئة الإلهية الممثلة في أنبيائه وأوليائه، فتتحقق بهذا السعادة العظمى في الحياة الدنيا والآخرة، لكنّ نوازع الاستكبار لدى البشر تُريد أن تقلب الآية، فيصبح الدين محكومًا بعد أن كان حاكمًا. في وجه هذا الانحراف يتمسّك الرسل بصلابة بدين الله الكامل ولا يقبلون المساومة في الولاية، فتكون النتيجة كما سجّلها القرآن الكريم: " أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ" ‎﴿البقرة: ٨٧﴾‏.

الولاية في عهد خاتم النبيين

في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، سواءً في مكة أو المدينة، كانت مسألة الولاية مركزيّة تمامًا كما كانت في الأمم التي خلت. فجزءٌ من رفض قريش للإيمان بالرسالة المحمدية كان رفضهم لولاية الله في تنصيب الرسول الذي يتولى قيادة المجتمع وفقًا لأحكام الله، فتساءلوا في حسد: "أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ" ‎﴿القمر: ٢٥﴾‏، وتمنوا لو أن الرسالة نزلت على رجل حسب هواهم، فقالوا "لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" ‎﴿الزخرف: ٣١﴾‏.

وكذلك في العهد المدني، يخبرنا القرآن أن مصاعب الرسول صلى الله عليه وآله في بناء المجتمع كانت كلها نابِعة من عدم رسوخ معنى الولاية الشاملة في النفوس بعد.

فالولاية التنفيذية والتشريعية التي تتعلق بالحكم وتنظيم المجتمع وإدارة العلاقات فيه ظلت محل الاعتراض والتذمر طوال حياة النبي صلى الله عليه وآله، بدليل الآيات الكثيرة التي تذكر تقاعس بعض المسلمين عن الجهاد خلافًا لأمر الرسول صلى الله عليه وآله بدءًا من غزوة بدر وانتهاءً بتبوك (والسيرة تخبرنا أن هذا الوضع ظل مستمرًا إلى آخر لواء عقده النبي صلى الله عليه وآله لأسامة بن زيد)، وكذلك بدليل الآيات التي تخبر بوجود فئة كانت تريد التخلي عن الأحكام الإلهية وتعود إلى الأحكام البشرية: كما في قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ" ﴿النساء: ٦٠﴾‏.

والتشخيص النفسي لأولئك الذين يرفضون الولاية يقدّمه القرآن الكريم من خلال نموذجين معاصرين للرسول صلى الله عليه وآله، فريق كان قلبه يأبى قبول الولاية التشريعية، وآخر كان يأبى قبول الولاية الاقتصادية. وكلاهما ينطلقان من نفس النقطة.

يقول تعالى عن الفريق الأول: "وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ‎* وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ" ‎﴿النور: ٤٨-٤٩﴾. ويقول تعالى عن الفريق الثاني: "وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ" ‎﴿التوبة: ٥٨﴾‏
 
لدى كلا الفريقين، معيار القبول بالولاية الإلهية هو أن يأتي حكم الوليّ مطابقًا لهواهم، فيحكم وفق مصلحتهم ويعطيهم الأموال التي يرغبون فيها، فحينها يقبلون ولايته بكل سرور، وإن جاء غير ذلك سخطوا عليه واعترضوا. أي أنهم يريدون ما أراده كفار الأمم السابقة، أن يجعلوا الدين محكومًا وهواهم حاكمًا.

وإذا كان وعي مجتمع المدينة بخصوص الولاية بعد كل هذه السنوات في رفقة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله يحتاج إلى التقريع والتقويم الإلهي المستمر، وإذا كان هذا الوعي يُنتج أقوامًا يحاولون انتزاع الولاية الإلهية منه مرارًا، تارة من ميدان الاقتصاد، وتارة من القضاء، وتارة من الحكومة، فلنا أن نتخيل مدى صعوبة امتحان الولاية إلى حد ألا ينجح فيه إلا الأندر فالأندر.

امتحان الولاية

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالاً".

هذا المقطع يصرّح بأن بذرة الفتن كلها هي منازعة الله عزّ وجلّ في ولايته، واللجوء إلى ولاية غيره من خلال ابتداع أحكام جديدة ومخالفة الأحكام القائمة، واختيار أولياء غير أولئك الذين نصّبهم الله عز وجل لقيادة النّاس. وبالتالي، فالوقاية من هذه الفتن لا تكون إلا بأن يستظل الإنسان بالولاية في كل أموره فلا يخالف أو يبتدع، ولهذا كان الإمام السجاد عليه السلام يدعو في دعاء مكارم الأخلاق بأن يوفقه الله عز وجل إلى "رفض أهل البدع ومستعملي الرأي المخترع".

في ضوء الولاية، نستطيع أن ندرك أن ما حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ليست حوادث متفرقة نناقش هذا بمنطق السياسة وذاك بمنطق الاقتصاد وذاك بمنطق الفقه حسب القضية المطروحة. فلا يجوز أن نفهم إدارة السياسة كما حدث في السقيفة باعتبارها قضية معزولة عن

الاقتصاد بإبطال سهم المؤلفة قلوبهم ومنع فدك، وعن أداء العبادات كإتمام الصلاة في منى أو إقامة صلاة التراويح في جماعة، وإنما المسألة هي سؤال واحد: هل لله عز وجل الولاية في هذا الأمر أم له شركاء سوّغ لهم أن يجتهدوا في وجود النصّ الصريح؟

هذا السؤال هو عين السؤال الذي طرحه أمير المؤمنين عليه السلام على منبر الكوفة بصياغات شتى، ليذم علماء السوء الذين قادوا حزب تمزيق الولاية الإلهية، فقال: "أم أنزل الله سبحانه دينًا ناقصًا فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وله أن يرضى؟ أم أنزل الله سبحانه دينًا تامًا فقصّر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول: "مَا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ"، وفيه تبيان كل شيء".

انقسام الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ليس سوى النتيجة الحتمية للإجابة عن هذا السؤال الوحيد بنعم أو لا. وكل القضايا الأخرى إنما هي فروع وهوامش. المسألة ليست مسألة انتصارًا لمذهب دون آخر، وإنما انتصار للأصل الذي ينبغي أن تعود إليه كل المذاهب الإسلامية.

في سلامة من ديني؟

عندما أُخبر النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام أنه سيموت قتلًا، لم يجزع لحظة، ولم يخطر بباله سوى سؤال وحيد: "يا رسول الله، وذلك في سلامةٍ من ديني؟ فقال: في سلامةٍ من دينك". توصيف السلامة هنا مقصود، لأن الإنسان قد يظل منتميًا للدين ومحافظًا على أجزاءٍ منه، لكنه بسبب تقصيره في الإخلاص للولاية الإلهية بمعناها الشامل، يصبح دينه كالأسمال البالية لا ينفعه بشيء.
 
"في سلامة من ديني؟" هذا هو الهاجس الذي يلخّص مدرسة أهل البيت ومسيرتها، وهو الذي يوضح لنا سبب المصاعب التي واجهها أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وأثناء خلافته، وسر تخاذل الناس عن سيدي شباب أهل الجنة عليهما السلام، والويلات التي تعرّض لها أهل بيت النبوة صالحًا بعد صالح.
 
مدرسة أهل البيت (ع) هي مدرسة الولاية بهذا المعنى الذي يحصّن المجتمع من الطامحين إلى الاستكبار والاستغلال. فالولاية درعٌ واقي ما لم تكُن فيه ثغرات يتسلل منها هؤلاء. ولذلك يُعرَف إسلام الولاية من خلال الحرب التي تُشَنّ عليه كما شُنّت الحرب على أمير المؤمنين عليه السلام، من خلال المساومات التي تُطرح عليه فيرفضها كما رفض الحسين عليه السلام، ومن خلال الملاحقة التي يتعرض لها رموزه كما تعرض عدة أئمة من خلال السجن أو الإقامة الجبرية.

وهذا هو معنى الولاية الذي يشير إليه دعاء العهد في عبارة: "(واجعله اللهم) مجددا لما عطل من احكام كتابك ومشيدا لما ورد من اعلام دينك وسـنن نبييك محمد صلى الله عليه وآله وسلم". بمعنى أن المؤمن يدعو اشتياقًا إلى اللحظة التي يعيد فيها الإمام المهدي (عج) تفعيل الولاية المعطّلة على الأحكام، كناية عن تفعيل كل ما عُطِّل من جوانب الولاية. وهذا النوع من الولاية هو الذي يجعل الظالمين يفزعون إلى الحرب ليسارعوا بإطفاء نور الله، ولذلك ندعو عقب تلك العبارة مباشرة بأن نقول: "واجعله اللهم ممن حصنته من بأس المعتدين".

هذه هي معادلة الولاية باختصار. مفترق طرق بين سلامة الدين والسلامة الشخصية.

هل انتهى الامتحان
 
إذا أعدنا للولاية هذا المعنى الشامل، وأعدنا ترسيم حدودها في ضوء الإشارات القرآنية وعلى هدى مسيرة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، سيتضح لنا أن امتحان الولاية لا يمكن أن ينقطع لعدم وجود نبيّ أو إمام يقود هذه المسيرة، نعم لم يعد هُناك حسين ولا يزيد، كما لم يعد هُناك موسى وفرعون، ولا إبراهيم والنمرود، ولكن أمثال هذه المواجهات تحدث كل يوم والمعركة متجددة مصاديقها واضحة، وحملة هذه الراية لا يزالون حاضرون يقيمون الحجة على الأمة، والإنسان مكلّف بأن يبحث عنهم ولا يتركهم وحدهم.
 
عندما ندعو في دعاء الندبة: "الحمد لله على قضائك الذي جرى في أوليائك"، ونستعرض مسيرة النبيين والأئمة وتضحياتهم الكبيرة واحدًا تلو الآخر، ثم ننتهي إلى النداء بلهفة: "أين السبيل بعد السبيل؟ أين الخِيَرة بعد الخِيَرة؟"، هل يُعقل أن نظن أن هذا السبيل قد رُفع إلى السماء لحين عودة صاحب الزمان عجل الله فرجه وحينئذ يظهر السبيل من جديد؟

هل أجيالنا مستثناة من امتحان الولاية الذي عُرض على البشرية جيلًا تلو جيل من لدن آدم عليه السلام؟ هيهات: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً" ‎﴿التوبة: ١٦﴾‏. لا بد أن يظهر في كل زمان من هم المخلصون لولاية الله ورسوله ممن ليسوا على استعداد لنصرتها.

الصراع الدائر اليوم هو من سنخ ذلك الصراع الواحد لإقامة الولاية الإلهية الشاملة، حيث يصبح الناس عبيدًا لله خاضعين لسلطانه وحده وسواسية كأسنان المشط، فلا يستطيع المستكبرون حينئذٍ استغلال الشعوب، ولا نهب الموارد، ولا الوصول إلى الزعامة.

والإنسان الذي ينفض يديه من المعركة اليوم ويرى أنه لا ناقة له فيها ولا جمل، ولا حاجة به أن يتخذ موقفًا ولائيًا أو أن يناصر طرفًا أو يدعم نهجًا دون الآخر، ولم يألم يومًا أن ولاية الله معطّلة، ولم يسِر خطوةً في طريق الأشواك الذي سار عليه الأنبياء والصديقين والشـهـ..داء، ولم يلجأ يومًا إلى خيارٍ صعب يجعله يسأل: "وذلك في سلامةٍ من ديني؟"، هذا الإنسان ما سيكون جوابه عندما يسأله الله عز وجل عن أهم ركن من أركان دينه.

فها قد تراءى الجمعان، وامتازت الصفوف بشكل استثنائي في مسيرة التاريخ، ولن يجد الإنسان جولة أوضح من هذه ليسجّل فيها اسمه في مسيرة الأنبياء وليُكتب من أهل الولاية.

 

تاريخ النشر 28-07-2026