Wilaya and Allah’s Sovereignty on Earth
الولاية: الامتداد المستمرّ لمشروع الاستخلاف الإلهي وحاكمية الله في الأرض

قد تتنوّع المشاهد وتختلف الجغرافيّات وتتعدّد الأحداث وتتبدّل الأزمنة.. ولكن يبقى كُلّ ذلك امتدادًا للحظة ولادة مشروع الولاية الإلهية على الأرض بقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة} وما يُقابلها من استكبارٍ إبليسيّ يعلن تمرده على هذا المشروع بقوله: {أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا}.

وتردّد صدى هذه الجُملة: {هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ}، وما تحمله من رفضٍ لتكريمِ من اختاره الله، على مرّ الأزمنة حتّى ظهرت في أشكالٍ مُتَعَدِّدة:
{قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}
{قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}
{ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ}
إلخ...

في الحقيقة إنّ هذه الرؤية ما هي إلا انعكاس للرؤية الإبليسيّة المُستَعلِيَة على حُكم الله وأمره {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}.

إنّ أصل المشكلة كان منذ ذلك الحين إلى اليوم: رفض الخلافة المُعَيَّنة من قِبَل الله استكبارًا واستعلاءً، فنشأ في مُقابلها "سُلطانٌ"، أُلبِسَ ثوب الخلافة غصبًا.

بمعنى آخر، أصل المشكلة تمثَّلَ بالخروج من ولاية الله، والذي أدّى بطبيعة الحال إلى ظهور ولاية الطاغوت؛ فكما أنّ الظُّلمة ليست إلّا غياب للنّور، فكذلك لا مكان لولاية الطاغوت إلا حيثما غُيِّبَت ولاية الله.

لذلك، الحلّ كان دائمًا في مبدأ: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، كي يُظهِر الله النّور على كُلّ شيء، فلا يبقى حينها مجال لتطفُّل أيّ ظُلمة دَخيلة {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}
{وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

ولمّا كان لذلك صفة الشموليّة (على الدين "كُلّه") وفِعل الإتمام ("يُتمّ" نوره)، لم يختم الله رسالاته إلا برسالةٍ "عالميّةٍ" هي الأسطع نورًا، فأرسَل محمّدًا صلّى الله عليه وآله رحمةً "للعالمين".

"إتمام" النّور كوجهة نهائية للمشروع الإلهي لا يمكن أن يتحقق إلا بوقودٍ من {شجرةٍ مُباركةٍ} تتلقّى الفَيْض النورانيّ على أكمل وجه {لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ} فلا يغفل أيّ جانِبٌ منها عن أن يرتوي من المعين الإلـٰهي الذي لا ينضب، بعِصمةٌ يُضيء زيتُها تكوينيًّا {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ} لِتكون حُجّةً "تامّة" على ولايةٍ منصوصة من قِبَل مُسَبِّب الأسباب من دونِ انتظارٍ لسببٍ خارجيّ يُشعِلُها.

ولمّا كان فِعْلَيْ "الإظهار" و"الإتمام" مُستمرَّيْن مع كُلِّ مُحاولةٍ {ليطفئوا نور الله بأفواههم}، ولمّا كانت الرّحمة الإلـٰهيّة المُتَجَلّية بمُحَمّد (ص) مطلوبٌ منها أن تعمّ العالم، فكان لا بُدّ من استمرارٍ لهذه الولاية لضمان استمرار الرّسالة وإلّا {فما بلّغتَ}.

فكان "تمام النِّعمة" بـ"إكمال الدّين" بِجَعْلِه "ولائِيًّا"، {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، لتُقدِّمَ الولاية - في كُلّ الأزمنة - "منهاجًا" يضمنُ حاكميّة الله في الأرضِ وغَلَبَةِ حِزبه {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْ//بَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.

فـ{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} من هذا الدين: الإسلام المحمدي الأصيل الذي حُفِظَ بامتداد الولاية، وكان استمرار هذا الامتداد هو ما سبّب يأس الذين كانوا يراهنون على زوال الرسالة وفنائها بغياب شخص الرسول (ص).

وهذه هي الفكرة التي كانت وما زالت إلى اليوم: إنّ أعداء الله وأعداء الإنسان لا يبلغون مرحلة اليأس من نجاح مشروعهم المُفسِد في الأرض إلا حين يرون أنّ المشروع المُصلِح الذي يقابل أطماعهم مشروعٌ مضمون البقاء والاستمرارية.

ومن هنا، فإنّ {الْيَوْمَ} يمتدّ ليكون مصداقًا متجدّدًا في كلّ زمان، فكلّ يومٍ يتجدّد فيه اليأس في نفوس أهل الباطل من القضاء على هذا المشروع الإلـٰهي هو {الْيَوْمَ} بمعناه الممتدّ وتطبيقه المتجدّد بامتداد الولاية.

فبعد أن رضخ من رضخ للطّاغوت، بقيت ثُلّةٌ ممّن يؤمن بضرورة الالتفاف حول "شموليّة حاكميّة الإسلام المُتّجهة حَتمًا نحو العالميّة"، هذا المبدأ الذي حَفِظَتْهُ "الولاية" من كُلّ تحريفٍ وتشويهٍ و"تجزيءٍ"، مُجسِّدةً بعملها وقولها: {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} في مواجهة كلِّ من قال: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} وممتثلةً لهدي الله في سلوك هذا الصراط: {وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ}.. لينطبق عليهم، بطبيعة الحال، قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.. فكانوا من السائرين على نهج {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}.

باختصار، لم تكن حالة {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} إلا ثمرةَ ذلك الأنس والتطمين الإلهي: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} الذي كان جزاءَ من آمن بحقيقة "لا إلـٰه إلا الله" قولًا وفِعلًا ("إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا").

في المُقابل، نجدُ {جِبِلًّا كَثِيرًا} من الذين لم يكونوا يعقِلون، يُحاولون اغتـ..ـيال أهل الاستقامة بشتّى الطُّرُق طَمَعًا لاستجابةِ دعوةٍ إبليسيّة قديمة: {...هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} غافلين عن حقيقة: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}.

فكان عداؤهم لهذه الثلّة، في حقيقته، عداءً لله. إذ إنّ جوهره هو رفض أن يكون الحكم لله، لأنّ حاكميّة الله تتعارض مع أطماعهم في السلطة والتسلّط. لذلك، فإنّ من أبرز المغالطات التي نعيشها اليوم تصويرُ ما يجري وكأنّه صراع على السلطة والحكـــم بيـن أهل الحـــق وأهــــل الباطل، بينما الحقيقــــة ليست كذلك،

فأولياء الله لا ينظرون إلى الحكم بوصفه غايةً تُطلَب لذاتها، وإنّما يرونه وسيلةً لإقامة حكم الله وإنفاذ أمره في الأرض. أمّا أهل الفساد، فالسلطان عندهم هو الغاية، والحكم هو ما يسعون إليه بذاته. وإنّ اغتصابهم لهذا الحكم هو في حقيقته إقصاء لحكم الله وتقديم أهوائهم وأطماعهم على أمره. فنراهم لا يألون جُهدًا في شيطنة هذه الفئة والتّنكيل بها وقتلها وإخفاء صوتها ومنع الأضواء من أن تُسَلَّط على قضاياها كي يضمنوا مُلكهم بدعوى أنه "لا يستقيم الأمر إلا بذلك". فمن لم يقدِر على "انتزاعِ" شرعيّةٍ لمُلْكٍ غير شرعيّ، لن يستقيم أمره إلّا بإجراءاتٍ تعسُّفيّةٍ كتلك.

هذا هو الفرق بين ولاية الله التي تشبه الزيت الذي {يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} وبين ولاية الطاغوت التي لا تعرف إلا لغة النّار، أمّا النور فلا سبيل لهم إليه {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ}.

في الحقيقة، كانت مشكلةُ الطواغيت على مرّ التاريخ مع هذا المنهاج الولائي الإلهيّ، إذ لم تكن مواجهتهم معه مواجهةً مع أشخاصٍ فحسب، بل مع مبدأٍ لم يستطيعوا القضاء عليه.

وحين يئسوا من إطفاء هذا النور والقضاء على هذا المنهاج في ذاته، توهّموا أنّ سبيلهم إلى ذلك هو التخلّص من المنتمين إليه، فاستهدفوا حَمَلَته ظنًّا منهم أنّ غياب الأشخاص يُنهي امتداد الفكرة. لكنّهم كانوا يُفاجَؤون في كلّ مرّةٍ بأنّ كلّ محاولةٍ لإطفاء هذا النور لم تزدْه إلا سطوعًا، وأنّ كلّ دمٍ سُفك في سبيله لم يُضعِف أهله بل زادهم تمسّكًا به وثباتًا عليه.

فكما قال شيخ الشهـ..داء الشيخ راغب حرب:
"دمُ الشهـ..ـيد إذا سقط، فبيد الله يسقط، وإذا ما سقط بيد الله فإنّه ينمو..."

من أحدث مصاديق ذلك ما شهدناه خلال تشييع شهـ..ـيدُنا الأقدس دُرّةُ لُبنان السّاطعة ومن ثمّ تشييع شهـ..يد الأُمّة، إمام المُستضعفين.. فما كان هذا المشهد المهيب إلّا انعكاس لتعطُّش العالم بمختلف انتماءاته إلى الاصطفاف حول رايةٍ إلـٰهيّة واحدة، دالّةً على الحقّ الواحد المرتبِط بالله الواحد خالق الخلق أجمعين، بعدما امتلأت الأرض ظُلمًا وجورا، ورفعها تحت مبدأ "حيّ على خيرِ العمل" على كافّةِ المستويات، لتسليمها في النّهاية إلى من سيملأ الأرض قِسطًا وعَدلًا، إلى وارث آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد، إلى بقيّة الله في أرضه الإمام المهديّ (عج).

إنّ هذا المشهد من التشييع العالميّ الشّامِل المُوَحِّد، الذي يُعيد إلى أذهاننا حقيقة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، هو ما يليق بالتّمهيد لدولة العدل الإلـٰهيّة "العالميّة". والقدر المتيقّن منه أنّ التّمهيد المؤدّي إلى هذه النّتيجة "العالميّة" لن يكون بإسلامٍ لم يخرج بعد من القمقم. هذا هو جوهر استمرار منهاج الولاية في زمن الغيبة: تطبيق حاكميّة الإسلام في مختلف الميادين ليكون الحُكم لله وحده.

فسموم الاستكبار العالميّ قد سرت في أوردة الأُمّةِ والعالم، ولمواجهة آفّة عالميّة نحتاجُ إلى حلٍّ عالميّ، بمعنى آخر، لا يمكن التّخلّص من ظاهرة عالميّة إلا بتجهيزِ بديلٍ عالميّ.

لذلك، فإنّ كُلّ مُحاولةٍ لتجزيء حاكميّة الإسلام أو إفراغ الولاية من معناها الحقيقيّ، هو كإعطاء الاستكبار العالمي فُرصة لملء هذا الفراغ طالما أنّه هو من يمتلك حاليًا السيطرة بحُكّامه وسلاطينه وأدواته وإعلامه وشاشاته الخ...

تريد فصل السياسة عن الدين؟ سيستولي الاستكبار على السياسة..
تريد فصل العلم عن الدين؟ سيستولي الاستكبار على العلم..
وهكذا في المجالات كافّةِ.

الظلام ما هو إلّا غيابٌ للنّور، ففي كُلِّ مجالٍ "نُعَطِّلُ" فيه النّور، نعطي فرصة للظّلام كي ينتشر، وحيثما تمددت مظلة ولاية الله، انحسرت ولاية الطاغوت.

تاريخ النشر 31-07-2026