لماذا يضلّ من يضل؟
تتداول وسائل التواصل مقاطع من الخطاب الأخير لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي تحدث فيه عن انهيار كذبة "النظام العالمي القائم على القواعد"، واعترَف بزيف شعاراته، وقال إنه في ظل هذا النظام لا يتمتع الضعيف بأي سيادة، وإنما خياره الوحيد هو "السيادة في الظاهر والاستسلام في الباطن".
ليس في هذا الكَلام جديد، فقد ظل المناهضون للإمبريالية شرقًا وغربًا يفضحون زيف هذا المشروع، وكان أحد أبرز من تصدّى لهذه المعركة التبيينية في منطقتنا هو سيد شهــ..ـداء الأمة رضوان الله عليه الذي قالها واضحةً: "إن كنت ضعيفاً لا يعترف بك العالم، ولا يحميك العالم، ولا يُدافع عنك العالم، ولا يبكي عليك العالم".
إذا كان الحق بيّنًا هكذا، فلماذا بشّر كثيرون، خاصة على مستوى النخب والزعماء، بهذا النظام العالمي وروّجوا له لعقود طويلة حتى اضطرتهم المستجدات أخيرًا إلى الاعتراف بأنه كان بنيانًا من الزيف، بينما كان البعض يرون المشهد على حقيقته من البداية؟
السبب هو أن البصيرة لها مقوّمات لا بد أن تكتمل كي يتخذ الإنسان الموقف الصحيح، وقد لخص الإمام عليه السلام معادلتها الذهبية في قوله: " ِأنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً". أي أنه لا بد من هذه المقوّمات الثلاثة معًا: التفكّر والاعتِبَار والاستقامة العملية. ومن يفرّط في أحدها فسيجد نفسه منحازًا إلى الباطل، سواءً أراد ذلك أم لم يرد.
فالدول وشعوبها التي لا تفعّل النظر والتفكّر، تجد نفسها غير قادرة على إدراك طبيعة الاستكبار وأدواته وشعاراته، وتكتسب ما يسميه مالك بن نبي "القابلية للاستعمار"، فتستسلم إلى القيم التي يريد المُستعمر فرضها، وتبدي استعدادًا لخدمة أهدافه طواعية.
وكذلك فعندما لا يكون "الاعتبار" ممارسة مستمرة لدى هذه الدول فإنها تستقي الدروس الخاطئة من التاريخ فتتصور أن النجاة لا تكون إلا بالركوع للمستكبرين، بينما تجارب التاريخ تخبرنا أن التصدي لأطماعهم ومقاومة هيمتهم هو سبيل النجاة.
ومن يفتقر إلى الاستقامة، فإن علمه لن ينفعه، لأنه سيؤثر الاعوجاج ما دام يخدم مصلحته، ولهذا كان قادة الدول الغربية مثل كندا وفرنسا لا يعلو لهم صوت في نقد الهيمنة الأمريكية ما داموا يحصلون على حصّتهم من خيرات الشعوب المنهوبة. أما عندما وصل الاستكبار الأمريكي إلى عُقر دارِهم، فها هم يتحدثون بالحق، ولذلك فتصريحاتهم تلك لا يُعوّل عليها.
البصيرة إذًا هي بنيان متكامل يتضافر فيه التفكّر والاعتبار والاستقامة. ومن يستكملها جميعًا سينحاز في المواقف الفاصلة إلى الحق، أما من لا يبني بصيرته على هذا الأساس المتين، فسيصعب عليه الاهتداء إلى الحق مهما كان واضحًا، بل ربّما سينحرف عنه إن عرفه، وإن وصل إليه فسيصل متأخرًا.
***
تعليق 1:
إنّ اكتسابَ البصيرةِ يمنحُ الإنسان َ نوعاً من المعرفةِ و النورانيّة الباطنيّةِ التي يُشخّصُ مِن خلالِها الحقَّ من الباطلِ في الأوقاتِ التي يُسيطِرُ فيها الإبهامُ على المُجتمعِ و خاصّةً في أزمنةِ الفِتن.
الشيخ محمد تقي | جلاء البصيرة



