واقعة ذات السلاسل: دروس من العاديات ضبحا
بقلم: بتول قصير
تروي مصادر مدرسة أهل البيت أن سورة العاديات نزلت في السنة الثامنة للهجرة لتوثق أحداث غزوة مهمّة تسمى ذات السلاسل، انتصر فيها المسلمون انتصارًا كبيرًا بقيادة الإمام علي عليه السلام.
هذه الغزوة أغفلت كثير من المصادر التاريخية ذكرها لأسباب معينة تتصل بالسلطة، ولكن الاطلاع على أحداثها في الفترة الحالية صار ضرورة كبرى، نظرًا لما تحمله هذه الأحداث من دروس وعبر.
موقع الغزوة وسببها (الخلفية السياسية والعسكرية):
دارت المعركة في وادي الرمل (على بعد خمسة أيام من المدينة غربًا). سببها أنّ قبائل بني سُلَيم حشدت نحو 12 ألف مقاتل للهجوم على المدينة وحصارها. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله جيشًا قوامه 4 آلاف مقاتل، وعيّن قادة تراجعوا واحدًا تلو الآخر دون الاشتباك مع العدو متذرّعين بتفوقه العددي. حينئذ أعطى النبي الراية لعلي عليه السلام، وقال: "أرسله كرّارًا غير فرّار".
موّه الإمام (ع) مسيرته بأن توجه ظاهريًا نحو العراق في البداية ثم التف غربًا ليأتي العدو من حيث لا يحتسب، وحفاظًا على عنصر المفاجأة، كان يسير بالجيش في الوديان، ويتحرك ليلًا ويكمن نهارًا، وأمر بتغطية أنوف الخيل لإخفاء صوتها حتى وصلوا لموقع تمركز العدو تحت جنح الليل.
أغار المسلمون على بني سليم في واديهم عند الصبح، ففوجئ العدو بجيش المسلمين يحيط بهم وبالخيل تصهل من حولهم، فاضطربوا وانهزموا وانتصر المسلمون، ثم ساقوا الأسرى إلى المدينة مكتّفين بالحبال كأنهم في السلاسل (ومن هنا جاء الاسم)، ونزلت سورة العاديات تسجّل في مطلعها هذا المشهد. فهذه الخيل التي قادها أمير المؤمنين عليه السلام هي العاديات ضبحا، الموريات قدحا، المغيرات صُبحا.
تُمثل هذه الغزوة نموذجًا متقدمًا في إدارة الأزمات والقيادة العسكرية، ويمكن تلخيص أهم الدروس المستفادة في النقاط التالية:
1. استراتيجية الضربة الاستباقية
اعتمدت الدولة الإسلامية آنذاك مبدأ "الدفاع الهجومي". فمعرفة النبي صلى الله عليه وآله بالمؤامرة عبر استخبارات خاصة زرعها لتقصي مكائد العدو يحمي المدينة من الحصار. لذا، فإن الانطلاق نحو "وادي الرمل" جسّد قاعدة عسكرية مهمة صرّح بها أمير المؤمنين عليه السلام بعد ذلك في خلافته، ألا وهي: "ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا". فلا بد للقيادة أن تتخذ زمام المبادرة وأن تكون واعية لما يُحاك ضدّها من مؤامرات.
2. دقة التكتيك اللوجستي والأمني
بينما سار القادة السابقين على الجادة الموصلة إلى موقع الجيش (أي الطريق الرئيسي)، فكشفوا أنفسهم لجواسيس قبائل بني سُليم وحلفائها، مارس الإمام عليّ خداعًا تكتيكيًا بأن انطلق أولاً نحو العراق متظاهرًا بأنه وجهته، ثم التف غربًا وسار نحو جيش العدو، واستمر في تمويه تحرّكه من خلال المسير ليلًا والتوقف نهارًا، وتغطية أنوف الخيل لإخفاء أصوتها.
3. الثبات في وجه المثبطين
حسد البعض عليًّا عليه السلام، وحاولوا ثني الجيش عن طاعته مدّعين أنه يقودهم لمسالك خطيرة، وأشاعوا أقوالًا بأنه شاب قليل التجربة وأنه سلك بالجيش واديًا كثير الحيات والسباع والأفضل أن يعلو الوادي لئلا يهلكوا، ولكن الإمام علي ثبت على الخطة التي أُمِر به وقال: "من كان طائعاً لله ولرسوله منكم فليتبعنِيّ، ومن أراد الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عنِّيّ"، فحافظ بذلك على تماسك الجيش وأفشل محاولات شقّ الصف.
4. معادلة الردع
كان الهدف العسكري الأول ردع القوى المعادية وتحييدها، ولم يكن الهدف إبادة جماعية لكل من خالف الإسلام أو حشد ضده. حيث ركز الإمام علي (ع) على استهداف قادة القوم وشجعانهم في المواجهات الفردية الأولى التي تبِعَت مباشرةً الإغارة. مما أدى إلى انهيار الروح المعنوية للخصم وارتباكهم، ونتائج عسكرية ضخمة بأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية في صفوف المقاتلين من كلا الطرفين. والجدير بالذكر، أن أمير المؤمنين اعتمد هذه الاستراتيجية في معارك عدة، أي الإطاحة بأبطال القوم ورؤوسهم، فكان ذلك كفيلًا بأن يبث الرعب وروح الهزيمة بين صفوف العدوّ.
5. الخسارة أداة للتمحيص
فشل المحاولات الأولى كان عملية غربلة وتصنيف للصفوف الداخلية، ولا تعد هزيمة للمشروع الإسلامي ككل. فالأزمات هي المختبر الحقيقي لفرز الثابتين من المترددين، المقدامين المؤمنين من الفارين المذبذبين. هزيمة السرايا الأولى كشفت الثغرات في الصف الإسلامي ومهدت لتصحيح المسار عبر إسناد المهام لمن يمتلك اليقين العملي والإيمان الكامل.
6. تثبيت الولاية بالتجربة العملية
كان هناك تقدير إلهي واضح في سير أحداث الغزوة، ورجوع السرايا واحدة تلو الآخر منهزمة، ثم الانتصار الساحق الذي حققه الإمام عليه السلام بنفس الموارد والجنود. فبذلك أقيمت الحجة على الأمة عمليًا بولاية عليّ كما أقيمت لفظيًا بأحاديث مثل "من كنت مولاه فعلي مولاه". كان إرسال السرايا الأولى التي أخفقت إجراءً تأصيليًّا لإقامة الحجة وضمان المشروعية السياسية. فمن الناحية الإدارية، عزل الشخصيات ذات النفوذ دون برهان عملي على عجزها أو وجـود ثغرات لديهـا، قد يؤدي إلى انقسام داخلي.
7. الأخذ بالأسباب
تعلّمنا أحداث غزوة ذات السلاسل وكيفية إدارتها أن الإسلام يشجّع على التفكير الواقعي. فاستراتيجية المبادرة التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وآله، وتكتيك التمويه والمباغتة الذي نفذه الإمام علي عليه السلام، وتفوق المسلمين في الناحية الاستخباراتية على العدو، وصمود الجبهة الداخلية أمام تشكيك المشككين، كلّها عوامل كفيلة بصناعة الانتصار رغم التفوق العددي الكبير للعدو، ورغم المعنويات الكبيرة التي كانت لديهم بعد ردّ جيش المسلمين عدّة مرات.
ولعلّ استهلال سورة العاديات بالقسم بالخَيل المهاجمة دليلًا على أهمية هذا الدرس (أي الأخذ بالأسباب). فكما كانت هذه الخيل وسيلة يمتطيها المقاتلون لتحقيق النصر، فكذلك على كل من يريد نَصْرًا مؤزرًا كهذا أن يمتطي الوسائل ويسخرها لصالحه.
وبالتالي فإن الإنسان أو المجتمع الذي أوتي من كل شيء سببًا يجب عليه أن يتبع هو سببا وأن يؤمن أن المعجزة هي أمر يجري ضمن الأسباب الطبيعية والسنن الإلهية، والله هو الذي يسدد هذه المساعي ويكافئها بإنزال النصر المبين.



