Verily, death is a relentless seeker; It finds those who stay, and doesn’t miss those who flee.
إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لَا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ وَلَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ.

يتردد بين الناس رأي مفاده أن القادة يرتقون شهـ..داء لأنهم يعرضون أنفسهم للخطر، ويلقون أنفسهم في التهلكة. ولو زادوا احتياطاتهم لما استطاع العدو الوصول إليهم وقتلهم في أحوج الأوقات إليهم.

ومن الناس من يطرح نفس الفكرة بأسلوب آخر، فيقول إن ارتقاء القادة بهذا الشكل هو استراتيجية مقصودة. فالقادة يضعون أنفسهم في مرمى نيران العدو لكي يُقتلون فيزداد الشعب إرادة وتماسكًا، ولكي يحيوا الروح الكربلائية في المجتمع. ومثل هذا التحليل قيل عند ارتقاء السيد الأمين رضوان الله تعالى عليه، أنه ظل في الضاحية لهذا السبب.

هذا النوع من التحليل يناقض مفهوم "الأجل" الذي يؤمن به كل مسلم، فالموت في موعده ومكانه وكيفيته قد كُتب وقدّر بالفعل. ولا يمكن لأي شخص مهما تكاثرت الدواعي وتزايدت الأخطار أن يموت مبكرًا، ولو حاول جاهدًا وحاول معه الخلق أجمعون. وكذلك لا يمكن تأخير الموت ولو لحظة واحدة. "فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ".

وقد كان النّاس في عهد أمير المؤمنين عليه السلام يشفقون عليه من إلقائه نفسه في مواضع التلف، وقذفه بروحه وسط سيوف الأقران، ولقائه العدو حاسرًا بلا خوذة، وبدرعٍ بسيطة لا تغطي ظهره، ويسير في الكوفة بلا حرس وأعداؤه كثيرون، فهل أتاه إلا الأجل الذي أخبره به رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذلك بأربعين سنة أو تزيد؟ كلا، فالأجل حصنٌ حصين.

وقد علِم الإمام أن مفهوم الأجل يحتاج بصيرة وإيمان راسخ، وأنه في أوان الخطر قد تهتز القلوب وتضلّ عن حقيقة الأجل، فبيّن لهم ذلك في مناسبات كثيرة، فقال لهم مثلًا في ساحة الحرب بصفين: "إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لَا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ وَلَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ"، وعلّم أصحابه أن كل إنسان معه ملكان موكلان به ويحميانه حتى يجيء قدره، فإذا جاء خلّيا عنه.

وبهذا الوعي والبصيرة يحيا القادة. ألم يؤكد الشيخ ن. ق. في أكثر من مناسبة أنه لا يخاف الاغتيال لأنه من مدرسة أمير المؤمنين (ع) التي تؤمن بأنه "كفى بالأجل حارسا"؟ ألم نشهد منذ أيام سير كبار مسؤولي الجمهورية في المظاهرات الحاشدة فلم يمسهم سوء والعدوّ يعلن ملايين الدولارات مكافأةً لمن يدلّه على مواقعهم؟ ليست هذه الطمأنينة إلا بسبب رسوخ إيمانهم بقضاء الله وبنفاذ أجله.

فقد أكد الله سبحانه وتعالى بأنه لا فرار من القدر المحتوم: "قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ". وقال سبحانه وتعالى: "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا".

هؤلاء القادة يتأسون بالشعب، ويتحمّلون معهم مكاره الحرب، عملًا بوصية الإمام (ع): أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدّهر؟". وها هي آجالهم تأتي وهم يقودون هذه المعركة الكُبرى بهذه السنة العلوية المشرّفة لينالوا أرفع وسام.. وسام الشهـ/دة.

تاريخ النشر 18-03-2026