قبل بضعة أيام نشرنا منشورًا بعنوان "ولاية الحق وولاية السيف"، وفيه مخطط يبيّن خطّي القيادة اللذين انقسمت فيهما أمتنا. وكان عنوان المخطط هو الحديث الشريف: "لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشرة خليفة كلّهم من قريش". لم يكن الحديث في حد ذاته محور المنشور، ولكنّه مدخل لمناقشة مفترق الطرق الذي تقف الأمة عنده اليوم.
بعض التعليقات التي أتتنا كشفت عن خلل في فهم معنى العزّة المقصود. وهذان نموذجان على ذلك:
التعليق الأول: "كم من أئمتك تولى الخلافة؟؟ هل كان الدين عزيزًا في زمنهم!!"
التعليق الثاني: "هل كان الإسلام عزيزًا في عهد سيدنا علي رضي الله عنه؟ بالعكس كان في حروب بين المسلمين وبين سيدنا علي ومعاوية وبعهد سيدنا الحسين نفس الشيء...الحديث لا يقصد الإثني عشر إمام لأن بهذي الأوقات والعصور الإسلام ما كان قوي ومنيع وكان المسلمين في تخبط وحروب."
هناك تصوّر بأن "العزة" المقصودة في هذا الحديث هي حالة خارجيّة من القوة والمنعة، ووفق هذا التصور يستدلّ على عزّة الإسلام والمسلمين بالتمكّن والانتصارات والفتوحات وما شابه ذلك. وبالتالي فمن لا يمتلك أسباب القوّة فهو ذليل. وهذا الفهم يُشبه فهم السحرة الذي بدأوا مبارزتهم مع موسى عليه السلام بقولهم: "بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ" ﴿الشعراء: ٤٤﴾.
ولكنّ القرآن الكريم يعارض مثل هذا المفهوم، حيث أكّد على أن العزّة هي حالة داخلية تملأ نفس المؤمن لا علاقة لها بالمتغيّرات من قتل وتشريد وما شاكل، فهي مستمدّة من الله عز وجل: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ" ﴿المنافقون: ٨﴾. أي أن المؤمن إذا استشعر الذلّة فهذا قصور في إيمانه هو وليس تعبيرًا عن حقيقة فعلية.
تقول هذه الآية الكريمة إن المنافقين لا يعلمون هذا المعنى للعزّة لأنّهم يغترّون بالظواهر ولا يرون حقائق الأمور. وقد كان بعض خصوم أهل البيت عندما يغتصبون السلطة الشرعيّة يظنون أن ذلك دليلًا على عزتهم، فهكذا شعر يزيد عندما أُدخِل عليه أهل بيت النبوّة إلى مجلسه وهم مقرّنين في الحِبال. ولكنّ السيدة زينب عليها السلام أنكرت هذا الفهم عندما قالت في خطبتها: "أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده؟".
ولو كانت العزّة حالة خارجية، لما وقف الحسين محاصرًا عطشانًا قليل النّاصر ليهتف: "هيهات منّا الذلّة".
والحالة العالمية اليوم هي أكبر دليل على هذا المعنى العميق الذي صاغته الآية الكريمة: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا" ﴿فاطر: ١٠﴾. فخطاب المحور على مدار هذه السنوات الماضية في هدوءه ورصانته وثباته إن لم يكن عزيزًا فما معنى العزة؟ وخطاب المستكبرين "الأقوياء" في اهتزازه وتشنّجه ومزاجيّته بل وطفوليّته إن لم يكن ذليلًا فما معنى الذلّة؟
وهكذا فكل تلك القرائن تؤكد أنه بقدر الاقتراب من الخطّ الإلهيّ، يكون المرء عزيزًا مهما تعرّض لصنوف الابتلاءات. وبقدر الانحراف عن هذا الخط، يكون المرء ذليلًا ولو ملك مشارق الأرض ومغاربها. أو كما قال السيد محمد باقر الصدر (قده): "ماذا ينفع نمو الشكل المادي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل؟"
***
تعليق:
العزة والذلة النصر والهزيمة الوفاء والخيانة الوطن والعدو الحضارة والرجعية الخير والفقر وغيرها من المصطلحات المتداولة هذه الأيام كلها وضح لنا الدين مفاهيمها كي لا نخلط الحق بالباطل ونعكس الآية وتضيع البوصلة.. ومن المؤسف حقا أن تحتاج بديهيات الإسلام وأسس مكارم الأخلاق إلى إعادة شرح وتوضيح وإيجاز لكي تصل إلى العقل المعاصر!



