النصب الخفيّ

في هذه الليالي التي يحيي فيها شطرٌ من الأمة الإسلامية مُصاب الحسين وأهل بيته عليهم السلام وما جرى عليهم في كربلاء بمراسم العزاء، من المستغرب ألا يكون لشطر كبيرٍ من الأمة نصيب من هذه الدموع وهذا الحزن على سيّد شباب أهل الجنة، ومن المستغرب أيضًا أن تظل كربلاء غائبة عن الوعي الجمعي لفئات واسعة من المسلمين، كأنّه ليس ابن بنت نبيّهم، وكأن المأساة وقعت لغيرهم.

هذا الغياب، أو التغييب، للعترة المطهّرة ظاهرة قديمة ربما يقترب عمرها من عمرِ الإسلام نفسه، ويمكن تسميتها بـ"النَّصْب الخَفِيّ". وخطورتها أنها مثل الداء الذي يستشري في الجسم ويفتك به دون أن يدري المريض، ولا يفطن له إلا بعد فوات الأوان.

النصب في الاصطلاح الإسلامي يعني معادة آل بيت محمد صلى الله عليه وآله. وفي تاريخنا الإسلامي هناك فئة تسمّى "النّواصِب"، وسمّيت بذلك لأنها تناصب أهل البيت عليهم السلام العداء وتجاهر بإظهار البغض لهُم وتحطّ من قدرهم السامي، ومن أبرز النواصب في التاريخ الإسلامي هم خلفاء بني أميّة الذين ظلوا يلعنون عليًا عليه السلام على منابرهم ثمانين عامًا أو تزيد. مِثل هذا العداء أصبح الآن نسيًا منسيًا، إلا بعض الأصوات المنكرة التي يبرأ منها القاصي والداني.

إنّما النوع الذي لا يزال حاضرًا في وعي فئات من الأمة هو نصبٌ خفيّ نتيجة تراكمات على مدار قرون تعمّدت السلطة فيها إخفاء فضائل أهل البيت ومعارفهم لكيلا يُقبل النّاس عليهم، وقد كان هذا النوع من النصب موجودًا في قلوب البعض في حياة النبي صلى الله عليه وآله تجاه العترة، بل وتجاه قرابته بوجه عام، حتى عاتبهم النبيّ مرارًا وتكرارًا في ذلك، من قوله صلى الله عليه وآله: "ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم وآل عمران استبشروا وإذا ذكروا آل محمد اشمأزت قلوبهم؟"، وقوله "ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي؟ من آذاني في قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى"، وقوله: "ما بال أقوام يقولون: إن رحمي لا ينفع، بلى والله، إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة". فالحديث الأول يشير إلى الحالة القلبيّة التي هي النصب الخفي، والثاني والثالث يشيران إلى نصبٍ جليّ باللمز والطعن.

الأمثلة على النصب الخفي كثيرة منها مثلًا كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، فقد ورد لدى الفريقين أن النبيّ صلى الله عليه وآله كان يعلّم الناس أن يصلّوا عليه وعلى آله (ولم يرد مطلقًا عنه أنه عّلمهم أن يصلوا على أصحابه ولا أمهات المؤمنين). فجاء من يُنقِص الآل ويصلي الصلاة البتراء المنهيّ عنها، أو يزيد غير الآل مخالفة للأمر الصريح.

من الأمثلة الأخرى ألا يُذكر فضل لأهل البيت، إلا وقُرِن معهم غيرهم، والعزوف عن التسمّي بأسمائهم، واستنكار زيارة أضرحتهم والتوسّل بهم، والمسارعة في تصديق الأكاذيب التي تُقال عنهم وعن أتباعهم دون بيّنة، والترضّي على أعدائهم الخ.

ومن أخطر مصاديق ذلك اليوم هو أن قطاعات من جماهير الأمة ظلت مشكِّكة في صدق محور المقـ..اومة الذي يحمل راية الحسين عليه السلام وبسبب هذا النهج الحسيني تحديدًا أصبح رأس الحربة في مجابهة قوى الاستكبار العالمي؛ ظل البعض يصدّقون سرديّات مكذوبة عن الدول والأحزاب والقادة الذين ينتمون نَسَبًا ومنهجًا ومسيرةً ومصيرًا إلى هذا النهج. ومعظم هذه المواقف لا تنبع من اختلاف مشروع في وجهات النظر بقدر ما تنبع من انحيازات طائفية دفينة تجاه ما يمت لأهل البيت بصلة.

ضرر هذا الداء إذًا لا يقتصر على قطع صلة الإنسان بالثقل الأصغر فقط، بل يمنعه كذلك من فهم الأحداث بالشكل الصحيح وبالتالي تتذبذب المواقف السياسية وتُصدّق الشبهات والسرديات الباطلة، فعلاقة الولاية مع العترة تعصم الإنسان من كلّ أشكال الضلالة، وبمقدار الزَّيْغ عنها يكون الانحراف.

وكما أن التمسّك بالقرآن حق.. الاستمساك لا يكون إلا بتفضيله وتقديمه عن كلّ ما عداه من الهُدى، فكذلك التمسّك بالعترة المطهّرة لا يكون إلا بمعالجة كل نصب باطنيّ حتى يشهد الإنسان علمًا وعملًا بأنه "لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا"، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام.

تاريخ النشر 22-06-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة