عُقْدَة عُقْدَة

قد يُصبح الإنسان شريكًا للشيطان دون أن يشعر. فالشيطان قد يأتي الإنسان على هيئة "صانع الصفقات" الذي يعرض ثمنًا صريحًا من خلال معادلة "هات وخُذ"، ولكنّه قد يأتي أيضًا بصفقات أكثر خفاءً، على شكل تنازُل يسهل تبريره أو عدم الالتفات أصلًا أنه تنازل.

يذكر القرآن الكريم النوع الصريح من حبائل الشيطان في قصة راهب بني إسرائيل الذي أتاه الشيطان وعقد معه صفقة، بأن يسجد العابد له سجدتين فينجّيه من أزمة أصابته، وعندما فعل ذلك تبرأ منه الشيطان وتركه لمصيره فاستحق نار جهنم، وهي القصة المشار إليها في قوله تعالى: "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين" ‎﴿الحشر: ١٦﴾‏.

في تاريخنا الإسلامي هناك أمثلة مشابهة، كزوجة الإمام الحسن عليه السلام، التي دسّت له السمّ طمعًا في أن تكون زوجة الخليفة المستقبليّ، وأبي مسلم الخراساني الذي وطّد للعبّاسيّين سلطانهم بسفك الدّماء ليصبح حاكمًا تحت مظلتهم، وعمر بن سعد، الذي سفك دماء الحسين وأهل بيته عليهم السلام في كربلاء طمعًا في إمارة الريّ. وكلّهم اتخذوا هذه الخيارات طمعًا في مكسب معيّن. وكل هذه الصفقات كانت صفقات خاسرة خسروا بها الدنيا والآخرة.

والصفقات لا تأتي بالضرورة واضحة وصريحة. هل كان كلّ جيش عمر بن سعد موعودًا بثمن صريح كإمارة الريّ؟ الإجابة كلّا، وإنّما عرض الشيطان الأمر عليهم على صورة تنازُل "بسيط" يؤمنهم من شرّ ابن زياد، ظلّ يزيّن لهم أن الأمر لن يصِل إلى درجة القتال، أنهم لن يؤذوا الحسين عليه السلام قطعًا، وهكذا ظل يستدرجهم ويسهّل لهم هذا الطريق حتى أسقطهم بذلك في أسوأ مصير ممكِن. وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام عن إبليس، أنه "يريد أن يحلّ دينكم عُقدة عقدة"، أي أنه ينفّذ خطته بالتدريج لكيلا يفطن إليه ابن آدم.

التنازلات من هذا القبيل قد تأتي في شكل التزلّف إلى الظالمين أو على شكل إعجاب بمنشور يطعَن في أهل الحق أو يؤيد أهل الباطل أو على شكل كلمة هُنا أو انحياز هُناك. أمور هيّنة قد يتحجج المرء أنه يقوم بها مضطرًا، ولسان حاله "نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" ﴿المائدة: ٥٢﴾‏.

ولعلّ الوسيلة الأبرز للاستدراج الشيطانيّ هو أن يخوّف الإنسان بانقطاع الرزق أو تضرر المعيشة إن لم يخُض قليلًا في الباطل، ولذلك حرص النبيّ صلى الله عليه وآله على أن يسد هذا الباب من الوساوس، فقال: "ألا لا يمنعنَّ أحدكم رهبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجلٍ ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق، أو يذكر بعظيم"، بالإضافة إلى الأحاديث الكثيرة في أن الرزق مضمون.

من وسائل الاستدراج الأخرى الوسوسة بانعدام الجدوى أو عدم الحكمة، أي أن يقول الشيطان: من أنت لتعترض؟ هل تظن أن اعتراضك سيقدّم أو يؤخّر شيء؟ هل تظن أنك أفضل من غيرك الذين وازنوا الأمور واتقوا شر الظالم. كان أحد الجنود في جيش عمر بن سعد في كربلاء يسلُب بنات رسول الله صلى الله عليه وآله ويبكي، متذرِّعًا بأنه يفعل ذلك مضطرًا، لأنه لو لم يفعل ذلك لأتى غيره وفعل مثله، وبالتالي فلا حاجة لأن يتخذ موقفًا. وقد أغلق الرسول صلى الله عليه وآله هذا الباب أيضًا فقال: "لا تكونوا إمّعة، تقولون: إن أحسن النّاس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا".

وبالتالي فقصة عمر بن سعد وأشباهها لا ينبغي أن تظل نموذجًا يطبّق أصحاب الصفقات الكِبار، كالحالمين بصفقة مع الصهاينة في لبنان وغيرها رجاء منصب سياسي أو ثروة مالية، وإنما الحقيقة أن الكل معرّض لأن يتخلى عن مبادئه مقابل "إمارة الريّ" الخاصة به، وعليه أن يكتشف ماهيتها ليقطع الطريق على عدوِّه الذي يجري منه مجرى الدم.

تاريخ النشر 29-06-2026