المعركة بين حزب الأنبياء ووارثيهم من ناحية، وبين حزب المستكبرين والظالمين من جانب آخر، هي في جوهرها معركة حول الولاية. فمقابل الفريق الذي يسعى لبسط ولاية الله على جميع ميادين الحياة كي تسير الإنسانية في ظل العدالة الإلهية، هناك فريق يرفض هذا السلطان بالكلية كفرعون والنمرود، وهناك فريق آخر يريد أن يجزئ الولاية، فيقبل جزءا ويرفض الآخر، وأولئك الذين يسميهم القرآن بـ "الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ" ﴿الحجر: ٩٠-٩١﴾، أي الذين فرّقوا القرآن أبعاضًا وأجزاءً وقالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، سيرًا على سنّة أحبار بني إسرائيل.
يخبرنا التاريخ أن الظالمين لا يعتبرون الدين في حدّ ذاته عدوًا لهم، فكثيرًا ما حكموا تحت عنوان حماية الدين والدفاع عن المقدّسات، وإنما أزمتهم تبدأ عندما يبدأ الدين يزيحهم عن رأس الهرم، ويبسط ولايته العادِلة بشكلٍ يحرمهم من امتيازاتهم. فعندما قال الملأ من قوم مدين لشعيب عليه السلام: "يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء" ﴿هود: ٨٧﴾، فإنهم كانوا يعبّرون عن جوهر القضية، الأزمة بالنسبة لهم ليست في الصلاة، فليصلِّ شعيب كما شاء في بيته، وإنما الأزمة في أن تمتد روح تلك الصلاة إلى الميدان الاقتصادي لتحدد كيفية توزيع الثروة وترسم السياسات التي تفرض الوزن بالقسطاس المستقيم.
هكذا يمكن فهم التناقض في موقف قريش من المكّيين الذين يدينون بغير دينها. فلم تكن قريش معادية لأتباع الملة الحنيفية أيام الجاهلية، ولكنهم شنوا حربًا طاحنة على رسول الله صلى الله عليه وآله من بداية دعوته، لأنهم أدركوا أن هناك تهديدًا على مصالحهم يمثله الدين الجديد بسبب إصراره على شمولية الولاية، ولذلك عللوا كفرهم بقولهم: "إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا" ﴿القصص: ٥٧﴾، أي أنهم في حقيقة الأمر يخشون فقدان الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي الذي حصلوا عليه بسبب قيادتهم لديانة العرب الفاسدة.
وعندما نجح رسول الله صلى الله عليه وآله في بسط الولاية الإلهية على جزيرة العرب رغمًا عن حزب ولاية الطاغوت، نشأ مشروع آخر يهدف لإعادة الامتيازات الجاهلية تحت رداء الإسلام، وهو مشروع الإسلام الأموي الذي أخبر عنه الحديث الشريف: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا".
هذا الحديث ليس مجرّد نبوءة بسقوط السلطة في قبضة بني أمية، وإنما هو يقدم نظرة ثاقبة تكشف أن أساس مشروعهم، والمدخل الذي سينفذون منه إلى التسلط على رقاب المسلمين، هو تحريف معنى الولاية، فعندما لا يعود المال مال الله، يصبح بيت المال ثروة شخصية لمعاوية يشترى به الذمم كما يشاء. وعندما لا يعود العباد عباد الله، يُجبر أهل المدينة على البيعة ليزيد على أنهم عبيد له يفعل فيهم ما يشاء. وهكذا بعد أن كان الدين نبعًا إلهيًا صافيًا ما دام ظل الولاية ممتدًا على كافة مناحي الحياة، اتخذه الأمويون دغلًا، أي أدخلوا فيه ما ليس منه من بدع وانحرافات.
في هذه المرحلة، ظهر الخطر الوجودي الذي يمثله حزب المقتسمين على مسيرة الرسالة الإلهية، مما استدعى قيام الأجيال المتلاحقة من أهل البيت عليهم السلام بتبيين المعنى الحقيقي والشامل للولاية، وأدى ذلك إلى شهـــ..اداتهم التي تحل ذكرى بعضها تباعًا هذه الأيام، بدءًا من الحسين (10 محرم) ثم ولده عليّ بن الحسين (25 محرم) ثم حفيده زيد بن علي بن الحسين (2 صفر) عليهم جميعًا السلام. فهؤلاء الأعلام الأحرار لا يعبّرون فقط عن ثلاثة أجيال وقفت في وجه طغيان ثلاثة أجيال من بني أمية، وإنّما هم امتدادٍ لنضال كل الأنبياء والمرسلين من أجل كليّة الولاية.
لم يكن الأمويون ليستطيعوا أن يقيموا دولتهم الظالمة دون إعادة تشكيل معنى الولاية في أذهان المسلمين، فبدلًا من أن يحاولوا إلغائها بالجملة (فيذهب أساس الشرعية التي ادعوها لأنفسهم)، قاموا بتضييق آفاقها، فظهر بذلك نموذج "المسلم الجيّد"، أي ذلك الذي يصلّي ويصوم ويتصدق ويتمتع بالأخلاق الحسنة، لكنّه لا يرى أن الدين له دور في قيادة حركة المجتمع وتوجيه دفّته.
وفي وجه هذا التيّار، نهض أعلام أهل بيت النبوة ليفنّدوا نموذج المسلم الجيّد المطيع للظالمين، ويتجلّى ذلك في ثلاثة نصوص، ألا وهي: خطبة الحسين عليه السلام في منى، ورسالة علي بن الحسين عليه السلام إلى الزهري، ورسالة زيد بن علي عليه السلام للعلماء. هذه النصوص تدور مضامينها حول معنى واحد هو أن مظالم بني أميّة لم تحدث إلا لأن خواص الأمة قد انهزموا فكريًا وميدانيًا في معركة الولاية.
واللافت للنظر أن النصوص الثلاثة جميعًا تذكِّر العلماء بالآيات التي تذم الأحبار والرهبان، مثل قوله تعالى: "لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴿المائدة: ٦٣﴾، وغيرها، مما يدلّ على أن تشخيص أهل بيت النبوّة للداء الذي استشرى في جسد الأمة هو تجزئة الولاية إلى شقين، شق طقوسي اكتسب به العلماء مكانتهم وصاروا يمشون "بهيبة الملوك وكرامة الأكابرِ" كما قال الحسين عليه السلام، وشق اجتماعي إصلاحيّ تم تغييبه عن وعي الأمة إيثارًا للسلامة وحبًا للدنيا، تمامًا كما انحرف بنو إسرائيل.
ومثلما قتل بنو إسرائيل الأنبياء، قتلت الأمة أبناء نبيّها صلى الله عليه وآله، فالنتيجة الحتمية لتمزيق دين الله هي تمزيق أجساد أوليائه. مشهد قطع رأس الحسين يحاكي مشهد قطع الولاية عن جسد الإسلام. والسمّ الذي سرى في أوصال علي بن الحسين عليه السلام هو من سنخ سمّ الولاية المجتزءة الذي دسّه الظالمون في الوعي المسلم. وهذا من مصاديق عدم افتراق الثقلين، حتى إننا يمكن أن "نتحسس نبض" الأمة الإسلامية في أي زمن بأن نرى موقعها من ولاية العترة المطهرة.
وعندما لم تُفلح المواعظ البليغة، رضي علماء آل محمد، صلوات الله عليهم، بالشهـ..ادة لكي تظل فكرة كلية الولاية حاضرة في وجدان التاريخ. قبلوا أن تجري عليهم تلك الميتات الفظيعة، من الطعن والسم والصلبٍ في الزمان الأول، إلى التفجير والقصف في زماننا هذا، لكي تدرك الأمة أن التكليف لا يمكن أن يكتمل في ظل الولاية المجتزءة. رضي سيد الشهد/ء الحسين عليه السلام أن تنهش جسده الشريف الذئاب لكي يضرب مثالًا لما سيحدث للإسلام نفسه إذا تُركت ميادين الولاية لذئاب البشر.
هكذا تقف "ولاية الطاغوت" في مقابل "ولاية الله". وحركة التاريخ مدًا وجزرًا ما هي إلا فصول للتدافع بين الولايتين.



