من عرفني فقد عرفني

من عرفني فقد عرفني

من الظواهر المحيّرة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنها ربما أقل الاتجاهات الإسلامية دعوةً إلى نفسها، وبلا شك هي أكثرها مظلومية واضطهادًا وتشويهًا على مر التاريخ (أي أن العوامل الطاردة في أقوى مستوى، والعوامل الجاذبة في أضعف مستوى)، ولكن في الوقت نفسه، تاريخ هذه المدرسة هو تاريخ من المد المتصاعد الذي يجتذب الأفئدة ويكتسب الأنصار المخلصين في كل بقاع الأرض. هذا على خلاف مذاهب أخرى امتلكت السلطان لفترة من الزمان مثل المعتزلة، ثم لم تحتمل الملاحقة جيلًا أو جيلين واندثرت، ومذاهب أنفقت الثروات الطائلة لتنتشر ونجحت في ذلك حينًا، ثم انقلب ذلك إلى انحسار وتضاؤل عندما جفّت منابع تلك الثروة.

السر في هذا النجاح يكمن في عبارة الإمام زين العابدين عليه السلام "من عرفني فقد عرفني"، التي خاطب بها الناس في ثنايا خطبتيـه في الكوفة والشـام، مشيرًا إلى أنـه من عرفه

وأهل بيته عليهم السلام، ومن عرف مظلوميتهم وثباتهم وأخلاقهم وعلومهم، فسيعرف بشكل يكاد يكون تلقائيًا أنهم على الحق المبين، تأثرًا يحمل أصداء الآية الكريمة: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ" ‎﴿المائدة: ٨٣﴾‏

في خطبة الكوفة، ركّز الإمام (ع) على جانب مظلومية العترة، فعرّف نفسه بكلامٍ منه، "أنا ابن من انتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخراً"، ذلك أن مُصاب أهل البيت جيلًا تلو جيل، وبهذه الوحشية الشديدة التي مارسها الطُغاة، لا بد أن يدفع الإنسان لاكتشاف السبب الذي جعل بيت خير الرُّسل صلوات الله عليه وآله من أكثر الأسر على مر التاريخ تعرضًا للنكبات بكلّ أنواعها، ولماذا لم يتراجعوا أبدًا عن يقينهم. لماذا آل محمد صلوات الله عليهم في خطر وغيرهم في أمان؟ لماذا نسختهم من الدين خطيرة لهذا الحد حتى تكون النتيجة كما وصفها دعبل الخزاعي هي أن:

ديار رسول الله أصبحن بلقعا .. وآل زياد تسكن الحجرات
وآل زياد في القصور مصونة .. وآل رسول الله في الفلوات

تلك الأسئلة تدعو الإنسان للبحث، وبتلك المعرفة يجد نفسه عارفًا لحقيقة حراكهم الرساليّ الذي ظل محتفظًا براية الثورة التي رفعها الأنبياء والمرسلين.

وفي خطبة الشام، ركّز الإمام عليه السلام على جانب الأفضلية، فقال: "أيًّها الناس، أنا ابنُ مكّةَ ومِنى، أنا ابنُ زمزمَ والصَّفا، أنا ابنُ مَن حَملَ الركن بأطراف الرِّدا، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى، أنا ابن خير مَن انتعل واحتفى، أنا ابن خيرِ مَن طاف وسعى، أنا ابنُ خير مَن حجّ ولبّى..."، في خطبة طويلة أبكت كل الحاضرين في مجلس يزيد بالشام، ومضمونها تكرر في مواقف كثيرة قام فيها الأئمة عليهم السلام يعرّفون الناس بمآثرهم العظمى، واختصاصهم برسول الله صلى الله عليه وآله. لأن مجرد معرفة هذه الفضائل يجعل الإنسان زاهدًا في اتباع أشخاص لم يُعطوا معشارها.

كانت مدرسة أهل البيت دائمًا تقف على أرضية من الثقة، لأن كلامهم "يحيي القلوب"، كما قال الإمام الصادق عليه السلام. ولأن "الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا" كما قال الإمام الرضا عليه السلام. وكل إمام منهم هو "إمام القلوب" كما قال الإمام الكاظم عن نفسه عليه السلام. وبالفعل، فالأنس بكلام أهل البيت عليهم السلام وفهم المضامين الاستثنائية في أدعيتهم وأحاديثهم، يجذب النفس بلطفٍ كالنسيم، ويجعلها تنقاد لأصحاب هذا الكلام طوعًا إذا تخلصت من تراكمات الأهواء والعصبيّات.

من يسمع مثلًا لمواعظ علي عليه السلام على منبره، أو خطب الحسين عليه السلام في ميدان شهـ...ادته، أو مناجيات السجاد عليه السلام في محرابه، كيف يمكن أن يرضى بغيرهم بدلا؟ بل إن من عاصروهم كانوا حتى لا يحتاجون السماع، بل يكفيهم مجرد النظر ليدركوا أنهم أمام أشخاص لا يُقارنوا إلا بأعظم العظماء، فقد روي في وصف الإمام الصادق عليه السلام عن بعض من عاصره: "كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين".

ومن الأدلة على هذه الجاذبية الذاتية أنه عندما حج الإمام زين العابدين عليه السلام في سنة شديدة الزحام وانشقّت الجموع له كي يستلم الحجر الأسود، تساءل أهل الشام من هذا الشخص الذي وصل للبيت بهذه السهولة بينما تعذّر الأمر على هشام بن عبد الملك الذي كان أخا الخليفة، فأدرك هشام أن أهل الشام لو عرفوا من هو، لمالوا إليه فأجابهم: لا أعرفه، في القصة الشهيرة حول إلقاء الفرزدق لقصيدته "هذا الذي تعرف البطحاء وطأته".

إجابة هشام المقتضبة "لا أعرفه" هي اعتراف ضمني بأنه ما إن تبدأ رحلة التعرف على أهل بيت النبوة، فإنها لن تنتهي إلا والقلوب أسيرةً لحبّهم ومولعةً باقتفاء أثرهم، ولذلك دأب الأعداء على سد هذا الباب أمام الجماهير، وقطعوا سبل التعرف على أبسط قدر من سيرة أهل البيت. فجعلوا أيام مصائبهم العظمى في كربلاء مرتبطة بالفرح والاحتفال. ولفّقوا الأحاديث في فضائل غيرهم، ومُنعت الروايات التي تظهر فضلهم بقوة السيف وبإغراء الدرهم.

تلك الأبواب التي ظلت موصدة لقرون طويلة قد انفتحت الآن على مصراعيها. إزاء كل مشهد لأتباع أهل البيت وهم يواجهون المستكبرين، وإزاء كل مظلومية يتحملونها في سبيل الدفاع عن المستضعفين، هُناك أعين لا حصر لها تشاهد تلك المشاهد العجيبة وتسأل "أتباع من هؤلاء؟" "بماذا يؤمنون"؟ وأسئلة أخرى لا ريب تُفضي إلى هذا الطريق.

فكأن الإمام زين العابدين عليه السلام في ذلك الزمان البعيد، في الكوفة مرة وفي الشام مرة، كان لا يخاطب الحاضرين أمامه فقط، وإنما كان يخاطب كل الإنسانية المتعطشة إلى هذا النموذج الإلهي، وكل القلوب التي تهفو للحق وإن ضلت الطريق إليه، ينظر إلى لهفتهم وتساؤلهم فلا يدعوهم إلى اتباعه ولا يتحيّن الفرصة لينصّب نفسه قائدًا لهم، وإنما يقول بنبرة واثقة: "من عرفني فقد عرفني".

تاريخ النشر 23-07-2026
اقتباسات أخرى ذات صلة