من أخطر الحبائل التي يكيد بها إبليس بني آدم، هو أنه عندما ييأس من أن يجعلهم يتخلون عن دينهم، فإنه يعطيهم الأمان ويصوّر لهم أنّهم مؤمنون حقًا، ثم يتسلّل إليهم من باب أخطر هو باب "إعادة ترتيب الأولويات"، بحيث تظن الأمة أنها مستمسكة بأهم ما في الدّين، فيهون عليها أن تتخلى عن أشياء أخرى لا تراها بتلك الأهمية. بينما الحقيقة أنها تخلت عن عمود الخيمة، فلم تنتبه إلا وقد انهار البُنيان فوق رأسها.
من مصاديق ذلك أن هناك أشخاص صالحين يسارعون في الخيرات ويجتهدون في العبادات، لكن ما إن يأتي امتحانٌ يحتاج إلى تمييز للخبيث من الطيّب، وإلى اصطفاف خلف الحق، إذا بهم ينحازون إلى الظالمين، ويستنكرون قيام المصلحين، ذلك لأنهم يرون أن هذا الاصطفاف ليس من صميم الدّين، وإنما شيء زائد عليه أو حتى لا يمت إليه بصلة.
ومن مصاديق ذلك أيضًا ما ذكره الشهيد الأقدس رضوان الله تعالى عليه في إحدى خطبه، عندما قال: "من الأمور المعروفة بين الناس إذا كان قلبك طيّب فاعمل ما تريد: سرق لكن قلبه طيب. قتل لكن قلبه طيب. لأن قلبه طيب لا توجد مشكلة. فالله لن يحاسبه لأن قلبه طيب والله ينظر إلى قلوبكم". أزمة هؤلاء أن الشيطان يزيّن لهم الانحراف الأخلاقي ليس بأن يدعوهم إليه مباشرةً، وإنّما بأن يطمئنهم أنهم يتمسّكون بما هو أهمّ وهو طيبة القلب!
ذلك التديّن المقلوب هو الذي أضاع بوصلة الأمة حتى قعدت عن نصرة الحسين عليه السلام، بعد أن أضاعوا أخيه وأبيه قبله، فلم يقف معه سوى بضع وسبعين رجلًا. مع أن الدين لم ينادي بشيء مثلما نادى بالولاية. ذلك أن الشيطان زيّن لهم أنهم لا يحتاجون للوقوف مع الحقّ ما داموا محافظين على الشعائر والعبادات.
وهكذا كان تشخيص الإمام الحسين عليه السلام للأزمة التي أصابت وعي المسلمين، فقد خطب في الناس في منى قبل موت معاوية بسنتين، وأعلن أن هذه الأمة متجهة نحو الهلاك فقال: "لقد خشيتُ عليكم أن تَحِلَّ بكُم نقمةٌ مِن نقماتِهِ"، ولم يكن حينذاك يخوّفهم بهذا المصير لكفر صريح منهم، فهو كان يخاطب بقية الصحابة وأبنائهم والتابعين المعروفين بالصلاح. فالأمة قد يكون فيها "عصابةٌ بالعِلْمِ مشهورةٌ وبالخيرِ مذكورةٌ وبالنصيحة معروفة"، لكنهم مستوجبون لسخط الله وغارقون في الباطل لأنهم أطاعوا الشيطان عندما عظّم في أنفسهم ما اكتفوا به من العبادات، وصغّر ما تخلوا عنه من القيام لله.
ووقائع النهضة الحسينية تؤكد هذا المعنى، إذ لم يُسفك دم العترة المطهّرة على يد قوم مرتدين عن الدين ولا ساقطين أخلاقيًا، فقد كان أفراد جيش عمر بن سعد يصلّون إذا حضر الوقت، ويعرفون من هو الحسين وأهل بيته عليه السلام، وعندما كان يُشهِدهم على ذلك لا يجحدونه. وقد رُوي في رثاء بعض هؤلاء (عندما انتقم منهم المختار الثقفي) أشعار تذكر كرم أخلاقهم وحسن سيرتهم بين عشائرهم. أي أن المشكلة لم تكن بالأساس هي انعدام الدين، بل في اختلال الأولويات، فلما كانوا يظنون أن العبادات أولى بالتمسّك من الولاية أو تُغني عنها، هوّن عليهم الشيطان ما ارتكبوه.
في اللحظات المصيرية قد لا يحتاج الظالمون إلى أن يحوّلوا الناس جميعًا إلى شياطين كشمر بن ذي الجوشن وابن زياد، ولا أن يجعلوهم ممن يبيع دينهم بالدنيا كعمر بن سعد، وإنما يكفيهم ألا تندرج معاني الولاية وإحقاق الحق ضمن معايير الالتزام بالدين، أو أن تُصبح هذه المعاني في ذيل أولويات المؤمن.
أعلن الحسين عليه السلام في خطبته المذكورة أن أحد أهداف قيامه هو: "لنري المعالم من دينك". كأن الدين قد طُمِسَت ملامحه واختفت بالفعل، على الرغم من أن هذه الخطبة ألقِيَت في موسم الحجّ الذي يزدحم فيه المسلمون لإقامة شعيرة من شعائر الدين، ذلك أنه أي معنى يبقى للدين إذا امتلأت مكة بالحجيج طيبي القَلب، الذين يتركون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج منها خائفًا يترقّب؟



